يختلف الناس، خصوصاً النخب المثقفة أو السياسية منهم، على أشياء كثيرة، يختلفون على حقائق الأشياء، وعلى مسميات الأشياء، وعلى ضرورات الأشياء، وأخيرا على أولويات الأشياء.

والاختلاف الموضوعي أمر طبيعي، بل وضروري لإثراء الحياة الإنسانية بشرط الحوار، على العكس من الخلاف المتشنج الذي يباعد بين المواقف الفكرية ولا يؤدي إلا إلى الشجار، من هنا يبدو من المفروض أن نختلف ونتحاور، ومن المرفوض أن نتخالف ونتشاجر، فعندما يقول أنصار الحرية الاقتصادية في دعوتهم للديمقراطية السياسية إنه «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان».

فهذا بلا شك قول صحيح، ولكن الصحيح أيضا هو قول أنصار العدالة الاقتصادية إنه «بغير الخبز لا يمكن أن يعيش الإنسان» في دعوتهم للديمقراطية الاجتماعية.

وإذا كان صحيحا أن الفارق كبير بين أن نحيا بكل معنى للحياة، وبين أن نعيش حين يصبح العيش مجرد بقاء على قيد الحياة.. فكيف يمكن أن نتوقع ممن لا يستطيع تأمين رغيف الخبز أن يشعر بأي معنى للحياة؟ !

إن المسألة تبدو في غاية الوضوح حين نتساءل أيضا، هل يمكن أن يحيا الإنسان إذا كان غير قادر على العيش؟.. وهل يمكن أن يعيش من دون خبز، وأن يحيا من دون حرية؟

وهنا يمكن لنا، كل من واقعه المادي وموقعه الفكري تحديد زاوية رؤيته وبالتالي طرح وجهة نظره، والتي لا تكون في الغالب إلا انعكاسا لضلع من أضلاع الإطار الأربعة لصورة واقعه وموقعه، فإما أن تكون صدى لمبادئه ولمصالحه معا،

أو لمصالحه على حساب مبادئه، أو لمبادئه على حساب مصالحه، لكنه لا يمكن لأحد عاقل أن يستند على الضلع الرابع ليتخذ موقفه الفكري أو السياسي على حساب مبادئه ومصالحه معا، فالجائع، الذي لن يأكل حرية بطبيعة الحال،

لن يكون بمقدوره تحت ضغط واقع الشقاء المادي إلا أن يكون في الموقع الفكري الذي يقول إن «الخبز قبل الحرية» وإن «حرية تأمين العيش واجبة قبل حرية تحقيق الحياة» وبالتالي يتوق إلى «العدالة في توزيع الثروة». .غير أن هذا هو الوجه الأول من الصورة.

الجانب الآخر من الصورة يرى بأن الذي لم يشعر بالجوع أومن لا تؤرقه هموم الفقراء لن يكون بمقدوره في الغالب إلا الانطلاق من الموقع الفكري الذي يقول «الحرية قبل الخبز أحيانا » و« لا قيمة للعيش دون معنى للحياة» لأن الأحرار وحدهم هم القادرون على توفير خبزهم، ولأن العبيد ليسوا قادرين لا على تحقيق حياتهم، ولا حتى على مجرد تأمين عيشهم.

والحقيقة أن الأول الجائع ينطلق من مصالحه الأساسية التي تتوافق مع غريزة البقاء الإنساني، وهى بالمناسبة العامل الأساسي في صنع الحضارات، إذا كان تعريفنا للحضارة هو أنها «النتاج الطبيعي لصراع الإنسان مع محيطه المادي». .أو بتعبير آخر أنها «النتاج المادي لصراع الإنسان مع بيئته سعيا من أجل البقاء».

والثاني الذي لم يعان الجوع إنما ينطلق من مصالحه الإضافية الطامحة إلى المزيد من الثروة بالحرية الاقتصادية، والمتطلعة للمشاركة في السلطة بالحرية السياسية حماية لهذه الثروة وحريته في تنميتها،

وبالتالي تتقدم لديه أولوية «الحرية» على أولوية «الخبز» عند المحرومين بغض عن النظر عن أولوية «العدالة» في العلاقة بين الطرفين. من هنا تختلف المواقف الفكرية تبعا لاختلاف المواقع الطبقية بين شرائح المجتمع الواحد،

في حين أن مفهوم العدالة لو تقدم كأولوية أولى بمعناه الشامل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والنابع من المرجعيات السماوية والذي ينفى الفقر بصورة مطلقة حيث لا يجب أن يكون هناك فقير واحد في المجتمع الإسلامي لتحقق على أرض الواقع مطالب العدل والخبز والحرية.

فحين تطبق القاعدة القائلة «أموال الأغنياء تسع الفقراء» والقاعدة التي تقول «الناس شركاء في ثلاث، الماء والنار والكلأ» أي المياه مصدر الحياة، والطاقة مصدر الحركة، والأرض مصدر خلق الإنسان وعيش الإنسان،

وعليها يبني الناس قصورهم وفى جوفها يبنون أيضاً قبورهم، عندئذ تتحقق العدالة الاقتصادية عندما يكون لكل مواطن الحق في المشاركة بنصيب عادل من الثروة الوطنية.

وحينما تطبق بعد ذلك القاعدة القائلة «وشاورهم في الأمر» حينها يكون الناس قد تأممت لهم حرية الحصول على رغيف الخبز، ومن ثم يمكن لهم ضمان حرية الرأي وحرية الاختيار عند الانتخاب،

دون خوف من الجوع أو خوف من القهر، لأن فعل الأمر «شاور» موجه للسلطة التي تملك أدوات القهر وتملك وسائل العدل، عندئذ تتحقق العدالة السياسية، عندما يكون لكل مواطن الحق في المشاركة بنصيب عادل في القرار الوطني.

وبالرغم من أن الاختلاف على حقائق الأشياء ما هو إلا خلاف على رؤيتنا لظواهر هذه الحقائق التي تعكس بالتالي آراءنا فيها، هذه الرؤية وهذه الآراء التي هي بالطبيعة نتاج الواقع الاقتصادي والموقع الاجتماعي وبالتالي الموقف الفكري، الذي بدوره يرتب أولوياته طبقا لمصالحه وطبقا لمبادئه. .

لكن تبقى المبادئ قبل المصالح وتبقى العدالة في الحقوق والحريات هي المقدمة الأولى لكل حقوق الإنسان وعلى رأسها الكرامة الإنسانية التي لا يمكن أن تتحقق بغير الخبز والحرية.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com