يقترب العام الرابع لغزو العراق وأرض الرافدين تكتوي بنيران العنف، ولا تجف فوق ترابها دماء الأبرياء الذين يتساقطون يومياً، وكأنه قد كتب على الشعب العراقي الشقيق أن يعيش في حلقة مفرغة بلا مستقبل واضح المعالم.

اتسعت مساحات القبور بدلاً من أن تتسع دوائر التعمير والبناء. شبح الموت يخيم على كل الأجواء، والمواطن البسيط فقد حقه في الاستقرار والأمان والسلام. اكتوى شعب الرافدين صاحب واحدة من أعرق وأرقى الحضارات القديمة، لثلاثة عقود أو أكثر بنيران الشمولية التي حجبت عنه شمس الحرية.

خاض نظامه البائد حربين بلا مبرر، قضى فيهما مئات الآلاف من العراقيين، ثم تعرض لغزو تحت مسمى الخلاص من أسلحة الدمار الشامل والتحرر من براثن الدكتاتورية.

ثم هاهو لم يحصد حتى الآن سوى الشوك والدمار، فلا الغزاة عثروا على أسلحة دمار، ولا المواطن العراقي يشعر بالأمن والاستقرار، بل وبدا أمله في الرخاء والعيش الكريم كأنه سراب بسبب الانفلات الأمني المتواصل لثلاث سنوات.

العراق، يدخل العام الرابع للحرب التي مازالت تدور رحاها على أرضه، وهو يئن من وطأة آلتها التي لا تتوقف نيرانها، بل اتسعت منذ أول من أمس، حيث تشهد مدينة سامراء أكبر هجوم أميركي منذ بدء الغزو. وتزامن الهجوم مع حدثين مهمين:

ـ أولهما التئام البرلمان العراقي للمرة الأولى بعد الانتخابات وإن كانت أزمة تشكيل الحكومة مازالت مستمرة.

ـ أما الحدث الثاني فهو مبادرة إيران للحوار مع الولايات المتحدة حول الشأن العراقي والرد الإيجابي السريع من جانب واشنطن على تلك المبادرة، التي وإن كان هدفها حل مشكلات العراق فقط، إلا أنها ربما تفتح الباب نحو أمل جديد لنزع فتيل الأزمة النووية الإيرانية التي لا أحد يستطيع أن يخمن ماذا يمكن أن يحدث للمنطقة لو استفحل أمرها.

العراق الشقيق مازال في مفترق طرق. جراحه تنزف، وآلة العنف تدور ومن حين لآخر تزداد ضراوة وشراسة. وشعبه الصامد الصابر، وإن كان يطارده شبح الموت بنيران وتفجيرات لا تنقطع، إلا أنه لم يفقد الأمل في أن يسترد عافيته.

إن العراق يملك من الإمكانات البشرية والطبيعية ما يؤهله ليتبوأ مكانة متميزة في المنطقة. لديه ثروة بشرية متحمسة للبناء، وثروة مائية لا تتوافر لأي بلد عربي على الإطلاق، ويمتلئ قاع أرضه ببحيرة هائلة من النفط إلى جانب ثروات أخرى لا حصر لها. فهل هذا الشعب يستحق أن يعيش حياة الشقاء والفوضى التي تسود أرضه الآن ؟

أبناء الرافدين قادرون على تجاوز محنتهم الحالية. عليهم قبل كل شيء أن يكونوا على قلب رجل واحد، أن تتوحد أطيافهم وكلمتهم، وأن يفوتوا الفرصة على الذين يراهنون على تقسيم بلدهم وتفتيته ونهب ثرواته، وأن يتجاوزوا خلافاتهم الطائفية.

نأمل أن يظل للعراق صوت واحد يدوي ويرهب أعداءه ويرفع راية وحدته. وأن تحقيق ذلك سلمت أرض الرافدين من كل سوء. بل وسلم معها العرب أجمعون. فلا عرب بلا عراق موحد، ولا عراق من دون أمته العربية التي هو نبض يسري في عروقها يضخ الأمل في جسد يكاد يذبل بسبب دسائس ومكائد الذين لا يريدون أن تقوم للعرب قائمة.