أحداث الأسبوع الفائت التي دارت في أريحا, وفي سجنها الأمني، كانت بلاشك مؤلمة ومرفوضة ومدانة، لكنها لم تكن مفاجئة لأولئك الذين يقرؤون الأحداث جيداً ويحللونها بشكل منطقي. فقد سبقت تلك الأحداث سلسلة من الإشارات التي توالت في فترة سياسية حساسة في إسرائيل والضفة الغربية على حد سواء، وكان على القيادات الفلسطينية أن تنتبه إلى أن هناك أمراً ما بحجم اقتحام سجن أريحا يدبر في دهاليز السياسة الإسرائيلية. فقد فتح الحديث عن إمكانية الإفراج عن أحمد سعدات ورفاقه والخوف على سلامته في حال تم ذلك من قبل القيادات الفلسطينية الباب على مصراعيه لعمل وقائي إسرائيلي تنتظره القيادة الإسرائيلية منذ زمن للقبض على سعدات ووضعه في السجون الإسرائيلية مع غيره من القيادات الفلسطينية الكبيرة أمثال مروان البوغوثي وغيره. مثل هذه الخطوة كان إيهود أولمرت يحلم بالحصول عليها ليظهر مصداقيته الأمنية في الشارع الإسرائيلي، خصوصاً أنه على أبواب انتخابات إسرائيلية قريبة على رأس حزب جديد يقبع رئيسه على فراش الموت في أحد مشافي تل أبيب. وكان على الرسالة التي استلمتها القيادة الفلسطينية قبل أيام من الخارجية البريطانية، والتي عبرت فيها بريطانيا عن قلقها على أمن المراقبين الأجانب في السجن، أن تدق ناقوس الخطر بأن أمراً ما على وشك الحدوث، لكن الخطأ الذي ارتكبته القيادة في إخفاء أمر تلك الرسالة وعدم مناقشتها وتحليلها في إطارها الموضوعي مع القيادات الأخرى دفع الأمور خطوة أخرى نحو الهاوية. وبالطبع فإن المسؤولية الأولى هنا تقع على الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين سحبتا المراقبين الأمنيين دون أي سابق إنذار، الأمر الذي مهد لاقتحام السجن من قبل القوات الإسرائيلية التي كانت تطوق السجن بعد دقائق من رحيل المراقبين، وكأن القيادة الإسرائيلية جاءها إلهام بأن المراقبين سينسحبون في هذا التوقيت بالذات. إن قراءة ما حدث تبعث على شك أقرب إلى اليقين بأن أمريكا وبريطانيا كانتا على علم مسبق بما تزمع القيادة الإسرائيلية فعله في أريحا. وربما يؤكد ذلك تصريحات أولمرت أن أمريكا وبريطانيا تؤيدان تماماً العملية الإسرائيلية، وامتناع مجلس الأمن الدولي - كعادته - عن إصدار بيان يدين فيه الممارسات الإسرائيلية.
لم يكن في الانتهاكات التي أرسلتها إسرائيل إلى العالم جديد. فإسرائيل اعتادت أن تنتهك الأعراف والقوانين الدولية والإقليمية والمحلية دون رادع. ولم يكن الفلسطينيون، الذين تعودوا على الإهانات التي يتعرضون إليها على يد جنود الاحتلال في نقاط التفتيش يومياً بحاجة إلى مشاهد عناصر الأمن الفلسطينيين وهم يخرجون من مقر المقاطعة بعد أن أجبروا على خلع ملابسهم ورفع أيديهم في الهواء لتذكرهم بمدى المرارة والذل الذي يعيشونه تحت الاحتلال.
ما حدث في أريحا كان بطاقة تحد في إسرائيل إلى العالم أجمع كتب عليها "من أريحا... مع التحية" فهل يقرأ العالم رسالة إسرائيل بشكل جيد؟.