الملهاة المسماة «محاكمة صدام وأعوانه» تنتقل بنا يوما بعد يوم من نهج إلى نهج، هي مسرحية، وقد كانت العرب تطلق على المسرحية اسم «ملهاة» قبل ان تتحول إلى فن وفكر وثقافة وتنوع له أصوله وعلمه، حتى تعددت اتجاهاته، وانفصلت أنواعه، فهناك المسرح الجاد وهناك المسرح الساخر أو الهزلي،

كما ان هناك المسرح السياسي، وقلة هي المسرحيات التي تجمع بين نوعين أو فنين، الا في هذه المسرحية التي تنقل لنا مباشرة على الهواء بعد حذف وتنقيح وتدخلات رقابية من اطراف تعددت أسماؤها واختلفت أهواؤها وأهدافها، هي مسرحية هزلية تحمل اسم الجادة.

لا يهمني صدام، لا من قريب ولا من بعيد، فموقفي منه محدد منذ الثاني من أغسطس 1990 وحتى إضاعة حاضرة الحواضر بغداد، ولا املك ذرة تعاطف معه، فهو لا يستحقها، وهذا شعور خاص بي، أملك ان اعلنه وان أدافع عنه، ولدي من الحجج والمبررات ما استطيع ان أواجه به العالم كله،

وليس هناك ما يلزمني بعدم إعلانه، لانني فرد امثل نفسي، وهذا الرأي جزء من حريتي الشخصية، وموقعي يتيح لي ان اطرحه دون خوف أو وجل أو اعتبار لحياد يفرضه نظام أو قانون أو موقع، وأقولها لكم صريحة بانني لست قاضيا حتى اتجرد من رأيي، وهذا ما كان يفترض في القاضي الذي يحاكم صدام ان يتحلى به.

يهمني جدا ان اقف واضع مئة علامة استفهام وألف نقطة عند موقف القاضي في محاكمة صدام، فيوم الأول من أمس تحدث القاضي عن »ذرة الإحساس« وقال لو انها وخزت ضميره بميل ضد المتهمين في قاعة المحكمة لانسحب من رئاسة تلك القضية، وقد أكبرت ذلك الكلام لحظة نطقه به،

فحرية القاضي وحياديته وعدم تأثره بالإحكام المسبقة والمؤثرات الخارجية، وبناء موقفه بفعله وردة فعله على قاعدة الاطمئنان والقناعة وإنفاذ الحق، هذه كلها تزيدنا ثقة بان القضاء سواء كان في عهد مستبد أو محتل متمكن أو سلطة حاقدة يبقى نزيها وشريفا ومتجردا من الأهواء ومقاوما للضغوط والاملاءات.

خمس دقائق كانت الفاصل ما بين «وخز الضمير» وميل القاضي، عندما تحدث صدام عن برنامج النفط مقابل الغذاء، هنا اسقط القاضي ضميره وحياديته، واصدر حكما مسبقا على المتهم الواقف امامه، لحظة ان قاطعه قائلا «أي برنامج نفط مقابل غذاء الذي تتحدث عنه وكوبونات النفط التي وزعتها معروفة»، هنا صدر الحكم على صدام من القاضي، وان تمثل في رأيي حول موضوع آخر.

وهنا تسقط الشرعية عن القاضي والمحكمة لإتيانها فعلا مخالفا للقواعد القانونية الدولية والمحلية، الشرعية والوضعية، الأخلاقية والاعتبارية، التنظيمية والإجرائية، المنزهة من الأهواء والتي تشوبها شوائب الفساد والبطلان، وهذا يعني ان كل اجراء بعد إفصاح القاضي عن موقفه المسبق من المتهم يعتبر باطلا حتى ينحى القاضي.

ؤmyousef@albayan.aeٍ