مات سلوبودان ميلوسيفيتش وحيدا في زنزانته الباردة، متجرعا كأس المرارة التي سقاها للملايين من أبناء شعبه، وماتت قبله يوغوسلافيا التاريخية، لتصير أربع دول، شاهدة أن القسر والإجبار والتسلط والطغيان لا يمكنه أن يوحد أمة إلى الأبد، أو يجمع أشتاتا من الناس دوما، وأن الانصهار الطبيعي للدول التي يتكون مواطنوها من أخلاط من البشر، منتمين إلى ديانات وأعراق ولغات وثقافات شتى، يخلقه التراضي والتوافق، والالتفاف حول المصالح المشتركة، ولا يخلقه أبدا الترهيب والبطش.

ولا يزال صدام حسين صديق ميلوسيفيتش ماثلاً أمام المحكمة، بينما العراق الموحد يتعرض لمحنة شديدة قد تلحقه، ربما بعد قليل من الزمن، بيوغوسلافيا السابقة، فينقسم هو الآخر إلى ثلاث دويلات على الأقل، شيعية في الجنوب، وسنية في الوسط، وكردية في الشمال. وإذا لم تتجذر الديمقراطية، قيما وإجراءات، في عراق ما بعد الاحتلال البغيض فإن التشرذم قادم لا محالة، وسيكون أسوأ بكثير مما جرى في يوغوسلافيا.

بالحديد والنار حافظ جوزيف تيتو على تماسك الاتحاد اليوغسلافي خلال الخمسينات والستينات من القرن المنصرم. واعتقد تلميذه ميلوسيفيتش أنه قادر على أن يكرر تجربة أستاذه، في وقت كان العالم يشهد تحولات جذرية، بعد انفراط عقد الاتحاد السوفييتي.

وبالحديد والنار أيضا أمسك صدام بتلابيب العراق، من أم قصر إلى زاخو، فأبقى تحت حكمه دولة «موحدة» من الناحية النظرية،أو متوحدة بشكل «مؤقت»، فلما زال حكمه، أطلت النعرات الطائفية برأسها، ونفخ بعض زعماء العراق الجديد في أوصالها، فأبقت العراق محصورا بين الطائفة والدولة، لتبدو الدولة العراقية الواحدة مجرد خارطة جغرافية، وليست واقعا، طالما ظلت الخلافات السياسية بين الطوائف على حالها، وطالما ظل شبح الحرب الأهلية يلوح مع كل حادثة ضد مزارات الشيعة ومساجد السنة.

لقد أدت حماقة ميلوسيفيتش إلى أن يضرب الأميركان دولة أوروبية للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، وعلى المنوال نفسه أدت حماقة قرار غزو الكويت إلى ضرب العراق وحصاره واحتلاله فيما بعد. وقد يقال إن الأميركيين ضربوا يوغوسلافيا لتصفية آخر جيب للشيوعية في أوروبا، واتخذوا من احتلال الكويت ذريعة لوضع أيديهم على ينابيع النفط، وإقامة قواعد عسكرية في أهم منطقة استراتيجية في العالم.

وهذه الأقوال منطقية، ولا ينقصها برهان، لكن ما كان للأميركيين أن يصلوا إلى غايتهم، وينجزوا مصالحهم الاستراتيجية هذه، لو أن ميلوسيفيتش لم يرتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وعمليات إبادة إبان حرب البلقان ( 1992- 1995)، ولو أن صدام لم يقدم على ابتلاع دولة بأكملها.

مات ميلوسيفيتش سياسيا وبيولوجيا، ومات صدام سياسيا، ومصير حياته قد لا يكون أفضل مما آل إليه صديقه، ولن يبقى من الاثنين إلا ذكريات مريرة، مفعمة بالألم، وملطخة بالدم. لكن الطغيان لم يمت، لأن في عالمنا لا يزال هناك حكام مستبدون، لا يعتبرون بما جرى لأسلافهم، ولا يتعظون بما وقع لبلادهم، ولا يهمهم إلا أن يمصوا من شعوبهم آخر قطرة دم، وأن يأتوا على معاشهم وأقواتهم، حتى آخر حبة قمح،

لا يعنيهم أبدا أن يخلفّوا وراء ظهورهم أرضا خرابا، ولا أن يتركوا بلدانهم على شفا الحرب الأهلية والإفلاس. كان بوسع حاكم آخر مكان ميلوسيفيتش أن يعيد بناء الاتحاد اليوغسلافي على أسس جديدة، تقوم على الرضا والمصالح، وما بين دفتيهما من تفاصيل مثل تداول السلطة وتوزيع عائد التنمية وتعبئة الناس حول مشروع قومي لا يميل إلى عرق بعينه أو دين بذاته.

وكان بإمكان حاكم آخر غير صدام أن يجنب بلاده ويلات ثلاثة وعشرين عاما من الحروب، وأن يستغل ما رزق به العراق من مقومات القوة، حيث الثروة البشرية والماء والنفط والعمق الحضاري، في بناء دولة إقليمية كبرى، متقدمة تكنولوجيا، متفوقة عسكريا، لردع كل معتد أثيم، ولحماية التنمية والاستقرار، وتحقيق الرفاه والرخاء والأمن لكل مواطن.

على الجانب الآخر فإن في قصتي ميلوسيفيتش وصدام ما يحمل الشعوب نفسها على عدم استمراء الطغيان، أو الصبر عليه والاستسلام له، حتى يأتي على الأخضر واليابس، وعدم السماح للطغاة بأن يحولوا الأوطان إلى قبور، أو مجرد أرض مفتوحة لأي جيوش أجنبية طامعة.