لا يستطيع البعض في عالمنا العربي مواصلة حياته إلا من خلال الحصول على صكوك الغفران الأميركية التي تسمح له بالإستقواء على أبناء جلدته من جانب، وتنفيذ مخططاته ومآربه من جانب آخر. لقد وصلت حالة الخوار العربي إلى صعوبة التحرك واتخاذ القرار بناء على الحدود الدنيا من مراعاة المصالح الوطنية العربية،
حيث يصبح المحك الرئيسي هو مدى رضاء البيت الأبيض عن سياسات وقرارات ما، بل وعن أفراد بعينهم. وإذا كان البعض يتلقى صكوك الغفران الأميركية بقدر ما من الحياء، فإن البعض الآخر يتلقاها جهاراً نهاراً بدون أى قدر من المواربة والتخفي.
أبرز الأمثلة على هذا التوجه ما قام به أحد زعماء الدروز في لبنان. ورغم حدة التصريحات التي يطلقها منذ اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني الأسبق ضد سوريا، واتهاماته التي يطلقها ليل نهار في كافة الأنحاء وفي كل الإتجاهات، فإن ماقام به الأسبوع الماضي قد فاق كل أفعاله وتصريحاته وتحولاته السابقة.
والذي حدث أن هذا القيادى اللبناني قد قطع اجتماعاته الحوارية مع الزعامات اللبنانية الأخرى من أجل إنقاذ لبنان، وترك أحد مساعديه بديلاً عنه، وذهب لزيارة أميركا. وقيل فيما بعد أن هذه الزيارة قد تم الإتفاق عليها أثناء زيارة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية للبنان، حيث تم الإتفاق على منحه تأشيرة دخول لأميركا نظير اعتذاره عن تصريحاته المعادية لأميركا التي أطلقها عام 2003 أثناء غزو العراق،
وهو الأمر الذي قام به أثناء زيارته لأميركا حينما اعتذر عن تصريحاته العدائية السابقة، وقدم اعتذارا خاصا لرئيس البنك الدولي بول وولفيتز الأميركي الذي تمني له الموت عام 2003، حينما سقط أحد الصواريخ على الفندق الذي يقيم فيه في العراق آنذاك.
لم تقف المسألة عند ذلك الحد، بل انه طالب أميركا باستخدام نفوذها وضغوطها من أجل العمل على تحرير لبنان من النفوذ السوري فيها، كما أدان حزب الله واتهمه مباشرة بأنه ميليشيا عسكرية، أصبحت غير مهمة بالنسبة للبنان الآن.
لقد ذهب الزعيم الدرزي إلى منتهى الشوط هذه المرة، بحيث يمكن القول بأنه قد نسف الحوار اللبناني القائم بين أطراف الصراع كلية واستبدله بالهيمنة الأميركية نظير الصفح والعفو والمغفرة عنه، أو بلغة الواقع الحقيقي نظير تأشيرة دخوله للأراضي الأميركية.
وربما في زحمة الصخب السياسي الذي تبع اغتيال الحريري 2004، برز البعض بوصفهم يمتلكون ماضي لبنان وحاضرها وربما مستقبلها وعلى رأسهم هذا القيادي، وليد جنبلاط، وهو الأمر الذي يستدعي هنا التذكير ببعض ماضيه القريب إبان الحرب الأهلية اللبنانية وما بعدها، وهو الأمر الذي أثار استهجان العديد من القيادات السياسية اللبنانية والعربية تجاهه، وعدم الثقة به.
أثناء الحرب الأهلية اللبنانية أقدمت القوات التابعة لهذا القيادي على قتل الآلاف من سكان القرى المسيحية المارونية، وتهجيرها من منطقة جبل لبنان، وهو ما عرف ساعتها بأنه تطهير عرقي منظم من جانب قوات جنبلاط ضد سكان الجبل المارونيين. إضافة على ذلك لم يسلم السنة من قواته، حيث قضت قواته على التنظيم المسلح للسنة أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، وأدت إلى قتل المئات منهم.
الملاحظ أنه طوال الحرب الأهلية اللبنانية وبينما أطلقت قواته النار في كل الاتجاهات على الكتل اللبنانية المختلفة من مسيحيين ومسلمين، فإن هذه القوات لم تطلق رصاصة واحدة على القوات الإسرائيلية لا قبل اجتياحها للبنان، ولا أثناءه، ولا بعده.
إضافة إلى ذلك، وبينما كان حليفا قويا لسوريا ومستفيدا منها طوال التسعينيات إلى الدرجة التي أطلق عليه البعض زرجل سوريا في الجبلس إذا به يتهمها هذه الأيام بزعزعة لبنان والسيطرة عليها.
وعلى ما يبدو فإن لبنان الآن قد أصبح مطية لمثل هذه التقلبات العنيفة وذلك النوع من القادة السياسيين الذين لا تحركهم سوى مصالحهم الضيقة جدا وأمزجتهم الشخصية. فما يقوم به الآن من استعداء لأميركا على سوريا وعلى حزب الله، لن يفضي في النهاية سوى إلى تأجيج المشاعر والانفعالات ولن يفضي إلى أية حوارات جادة يمكن أن تجمع بين الأطراف اللبنانية المختلفة.
لقد استبشر البعض بجلوس أطراف النزاع اللبناني على الطاولة المستديرة، فلأول مرة منذ زمن بعيد يجلس اللبنانيون بدون أية تدخلات خارجية. وفي وسط اجتماعات هذه الأطراف ترك هذا القيادي كل هذا وذهب لأميركا معتذرا ومستعديا في الوقت نفسه.
وعلى ما يبدو فإن الذين لا يطلقون رصاصة واحدة على إسرائيل هم الأكثر قبولا من جانب أميركا. فحتى لو لم يعتذر هذا القيادي عن تصريحاته العدائية ضد أميركا، التي يمكن القول أنه قد قالها أيضا في لحظة مزاجية انفعالية تنشد الإحساس بنشوة ما تكتبه الصحافة العالمية عنه، فإن تاريخه النظيف والمشرف مع الدولة العبرية سوف يشفع له ويمنحه صك الغفران الأميركي.
من عبث المقادير في عالمنا العربي المعاصر أن هؤلاء الذين يوجهون رصاصاتهم نحو إسرائيل هم الأكثر تعرضا للهجوم الأميركي، وفي هذا السياق يمكن للمرء أن يفهم سر العداء الأميركي البالغ لحزب الله وقواته التي يتهمها هذا القيادي بالطابع الميليشياوي.
واللافت للنظر هنا أنه بينما يتحرك حسن نصر الله متخفيا عبر سراديب الأقبية والأماكن السرية، فإن القيادي يتحرك كيفما يشاء، رغم ادعاءاته المتواصلة بأنه مستهدف، متنقلا بين العواصم العالمية حاملا صكوك الغفران الغربية التي ربما تؤمنه لبعض الوقت وليس كل الوقت.
كاتب مصري