استقرت فورة النظريات الإدارية وثورتها مؤخراً على نتيجة ان القرن الواحد والعشرين هو قرن المؤسسات المعرفية، على اعتبار ان المستقبل هو حليف المؤسسة الرائدة التي تتعلم ذاتياً من أرقامها وبياناتها، ومعلوماتها، وتجاربها، أو المؤسسة المثقفة التي تستثمر مواردها المعلوماتية وأصولها الفكرية المودعة في عقول موظفيها استثماراً يعود عليها بالنفع والفائدة.
لقد اكتشف الغرب لتوه أن المعرفة هي القوة الحقيقية لكل إنسان أو مجتمع أو كائن حي، وإذا كانت المؤسسات الخدمية والاقتصادية هي كائنات حية تولد ثم تنضج ثم تهرم، فإن المؤسسة الناجحة هي المؤسسة التي تعرف مالا يعرفه غيرها، وتقدر على توظيف وإدارة خبراتها المؤسسية، وتحافظ على ميزتها التنافسية أو ما يسمى (قوة المعرفة) التي تتفوق بها على منافسيها.
وإذا كان العلم نور فان المؤسسات (المشعة) هي التي تحتضن المعرفة وتوظفها وتصدرها من خلال جودة خدماتها ومنتجاتها المقدمة للمتعاملين ولأفراد المجتمع. إن الثورات التي تعاقبت على البشرية والتي تراوحت بين الثورة الزراعية والتجارية والصناعية والخدمية والمعلوماتية توصلت في نظرياتها إلى أن جميع المؤسسات تتساوى في حظوظها وفرصها في التقدم والنمو والمنافسة بما تمتلكه من موارد مالية وتقنيات وموظفين. وإنما تتفوق وتتميز هذه عن تلك من خلال ميزتها التنافسية،
وإذا صنفت ضمن المؤسسات الذكية التي تتكامل فيها الموارد المؤسسية المدعومة بـ (أصول فكرية) وأن تعامل هذه الأصول الفكرية كبقية الأصول المالية والثابتة وغيرها. ومن هناء جاءت نظرية المعرفة لتنادي بضرورة تحقيق التوازن من خلال العناية المتناسبة بجميع الموارد، وربطها ضمن منظومة معرفية يضعها الخبراء على شكل سياسات وبرامج وتوظف من أجلها التقنيات وتستثمر فيها الأموال،
لتكون بالنتيجة المؤسسة المتميزة هي المؤسسة التي تعرف مالا تعرفه الآخرون من خلال حصر وتوثيق وجمع وتصنيف وتحليل واستثمار وتسويق جميع المعلومات والمعارف الممكنة عن عملائها ومورديها ومنافسيها وشركائها ومنتجاتها، وقبل ذلك إمكانيات موظفيها من عقول الرجال وخبراتهم وتجاربهم فمن هنا تبدأ رحلة النجاح. وإذا كانت كل المؤسسات والمنظمات تمتلك البيانات والمعلومات فإن النجاح حليف تلك المؤسسة التي تضيف إلى المعلومة مسحة من خبرات موظفيها فتتحول المعلومة إلى معرفة والمعرفة إلى حكمة وفلسفة تؤمن بها المؤسسة وتهتدي بها.
إن المؤسسة المعرفية هي مؤسسة القرن الحادي والعشرين، وهي التي تتجلى ملامحها واضحة في كونها مؤسسة ذاتية التعلم قادرة على رؤية المستقبل، واستشراف تغيراته، والتنبؤ باحتياجات المجتمع من خلال الاستفادة من بيانات الماضي ومعلومات الحاضر لتكون عملية اتخاذ القرار عملية علمية، ومنهجية صادرة نتيجة تفاعلات بين شبكة الحاسب الآلي، وشبكة معارف الموظفين المختصين الذين تتوفر لهم القنوات الملائمة في المؤسسة، لإدارة اقتراحاتهم وأفكارهم ومشاريعهم وإبداعاتهم وفرق العمل الداعمة لعمليات العصف الذهني وغيرها.
إن قيمة كل مؤسسة في سوق الأعمال وعالم الخدمات هو قيمة ما تعرفه وتحتضنه من موظفين مؤهلين وقادرين على الارتقاء بالمؤسسة. أما المؤسسة الفقيرة فهي المؤسسة الغبية التي لا تعلم، وإن علمت فإنها لا تستفيد مما تعلم وإذا استفادت فهي تتخذ قرار التحرك بعد وقته، وبعد أن فقدت كل قيمتها حينما تحولت على محطة مؤقتة لصناعة الخبرات وهجرتها.
إن المؤسسة الناجحة هي المؤسسة التي تصطاد الطيور المهاجرة فالأفكار تهاجر والكفاءات تهاجر ورؤوس الأموال تهاجر، ومن لم يحسن فن بناء «الشبكات المعرفية» سيقف متفرجا على ما يجري حوله وربما يسقط في شباك التراجع والإفلاس، ألم يقل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يوما (هلك من لم يعرف قدر نفسه وقيمة كل أمرئ ما يحسنه)