لحين من الدهر اعتنق قادة الأحزاب «العلمانية» في بلدان الوطن العربي وهم أنهم مستثنون من قمع السلطة الاستبدادية، كانوا فرحين بأن تطبيق السياسة القمعية السلطوية ينحصر في أحزاب ومنظمات التيار الإسلامي الراديكالي.. وبالتالي فإن «العلمانيين» أصدقاء المؤسسة السلطوية الاستبدادية.

الآن يستيقظ القادة السياسيون العلمانيون من هذا الوهم.آخر الأخبار وصلت من تونس. من هناك دعت أحزاب المعارضة المنضوية تحت تنظيم يطلق عليه «إئتلاف 18 أكتوبر» الى السماح للإسلاميين بالمشاركة في الحياة السياسية.

الإسلاميون «مواطنون تونسيون مثلنا ولن نلقي بهم في عرض البحر: «هكذا صاح المحامي نجيب شبي زعيم الحزب الديمقراطي التقدمي».. أهم القوى السياسية في الإئتلاف . ومما يجتذب الانتباه أيضاً أن «حزب النهضة» الإسلامي المشهور الذي يتزعمه الشيخ راشد الغنوشي عضو في هذا الإئتلاف رغم أنه يظل محظوراً بواسطة السلطة لمدى 13 عاماً حتى الآن.

سياسة قمع الأحزاب الإسلامية في العالم العربي وما تنطوي عليه من ملاحقات أمنية واعتقال وتعذيب كانت خطوة ابتدائية باركتها الأحزاب العلمانية لتكتشف لاحقاً ان القمع يمتد ليشمل كل من ينتقد ممارسات النظام وتوجهاته بغض النظر عن منطلقاته الأيديولوجية أو التنظيمية.. فالأجهزة الأمنية لا تستثنى أحداً سوى عناصر «الحزب الحاكم».

بالطبع ان الاتجاه التصالحي الذي أبدته بعض الأنظمة مؤخراً بالإفراج عن أعداد من الناشطين الإسلاميين يلقى ترحيباً. لكنه ينبغي ان يكون ترحيباً مشوباً بغير قليل من الحذر.. طالما ان أدوات القهر القمعي السلطوي لا تزال قائمة.

ان الحظر الدستوري للأحزاب الإسلامية يقوم على «فلسفة» انه لا يجوز اقامة أحزاب على أساسي ديني. وهذه في أفضل الأحوال يمكن ان تعتبر مجرد وجهة نظر ذاتية يمكن ان تقابلها بالقدر نفسه وجهة النظر المقابلة بأنه لا بأس من قيام أحزاب على أساس ديني إسلامي لأن رسالة الإسلام تنطوي على دعوة الى العدالة الاجتماعية.

وفي كل الأحوال فإن الأفضل ان تحسم مثل هذه المسائل الجدلية عن طريق صندوق الاقتراع لا بقرار سلطة استبدادية هاجسها الأول والأخير هو استدامة حكم استبدادي استناداً الى أي ذريعة مصطنعة. بقي ان يدرك القادة العلمانيون والإسلاميون على حد سواء ان الإصلاح الديمقراطي الحقيقي لن يأتي كمنحة، وإنما ينتزع انتزاعاً.