عند التساؤل عمن يشكل التحالف الداعم للإصلاح في العالم العربي فستكون الإجابة يسيرة إلى حد كبير، فما أتت به صناديق الانتخابات في الجزائر مطلع التسعينات ثم في عدد من التجارب الأصغر في القرن الجديد سواء في الخليج أو المغرب ثم في النهاية ما أسفرت عنه الانتخابات الفلسطينية الأخيرة

يشير إلى أن النواة الصلبة لدعاة الإصلاح في العالم العربي هم شرائح واسعة من التيار الإسلامي الداعيه للاحتكام لصندوق الانتخاب ومنظمات المجتمع المدني ذات التوجه الليبرالي، بينما في المقابل يواجه هذا التحالف تحالف آخر يبدو عجيبا يضم العسكر وشرائح واسعة من التنويريين العرب ممن يعارضون الإصلاح الديموقراطي.

وهذا التحالف الذي يبدو عجيبا يتخذ موقفا مبدئيا معاديا للإصلاح، إما بوصفه شكلا من أشكال التغريب المفضي لاستلاب الهوية وهم حقيقة في الأمر يدافعون عن الدولة المركزية «المستبدة» التي هي بضاعة أوروبية يعبر الانحياز لها عن تخل تام عن الهوية والتحاق إرادي بالغرب، وإما باعتبار أن الإصلاح ـ أي إصلاح ـ هو جزء من أجندة أميركية صهيونية وهو تفتيش في النوايا ومواجهة للحجج المنطقية والحقوق الثابتة بلغة سجالية اتهامية.

التحديث الاستبدادي

وهذا التحالف في الحقيقة ليس عجيبا لأن العقل التنويري العربي نتاج أوروبي خالص مسكون بهواجس اللحظة الاستثنائية والدور الطليعي للنخبة وغيرها من القناعات المعادية للحرية التي سوغت تحالف الطرفين لعقود متوالية واجتماعهما على نموذج «التحديث الاستبدادي» الذي انتهى في الاتحاد السوفييتي نهاية مأساوية وما زال البعض يتباكى عليه ويبحث خلف نهايته عن طواحين الهواء التآمرية عاجزا عن استيعاب المشكلة الحقيقية فضلا عن الاعتراف بها.

وقد كانت تجربة البعث العراقي نموذجا مهما لهذا النهج في النظر والفعل والتنظيم السياسي، فكان دور المفكرين التنويريين الذين طرحوا أفكاراً استبدادية مثل «القائد الضرورة» و«اللحظة الاستثنائية» و. . . لا يقل أهمية ولا تأثيرا عن دور العسكر الانقلابيين.

وعند طرح دعوة الإصلاح التي هي في الحقيقة ـ ومنذ سنوات ـ مطلب النخب الوطنية غير المتحالفة مع الاستبداد فإن خلفيات معرفية وثقافية لعبت أدورا رئيسة في بناء التحالفات المؤيدة والمعارضة للإصلاح، فهناك سيطرة كاسحة في المؤسسات الإعلامية والثقافية للفكر الوضعي الأوروبي بأطيافه المتعددة وهو يخبئ خلف الشعارات المرفوعة كواجهة للرفض المتشنج لمشروع الإصلاح الأميركي موقفا أعمق مداره رفض «نموذج الحياة الأميركي».

والرفض الذي يدغدغ مشاعر العامة بالتنفير من حضارة الاستهلاك والإباحية والهامبورجر هو في الحقيقة رفض لأهم ما يميز نمط الحياة الأميركي من حضور واضح للدين ومعاداة صارخة للإلحاد والفكر القومي على السواء.

فمنذ بدأ الأوروبيون عملية تفكيك الدولة العثمانية - وهو مخطط تم قبل ظهور أميركا كقوة عالمية ـ والأوروبيون يعتبرون «التخلص» من الدور السياسي للإسلام إنجازا تاريخيا لا يجوز التفريط فيه، والخطاب الإعلامي المسوغ لرفض مشروع الإصلاح الأميركي يكتفي بإثارة مشاعر الجماهير إما بـ «الصورة النمطية» التي سبقت الإشارة لها أو بالإحالة على العلاقات الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية دون النفاذ للأصول المعرفية والثقافية للمشروعين الأوروبي والأميركي.

وإجمالا يعتبر الأميركيون وحلفاؤهم الإنجلوسكسون أن التطرف القومي والماركسي ذا التوجه الثوري سبب رئيس في ظهور الإرهاب وهو مذهب في التفكير والفعل أنتجته الثورة الفرنسية، بل إن دراسات عديدة ليس أولها كتاب «إبادة جماعية فرنسية» (1989) للفرنسي رينالد سيشر وليس آخرها «الإرهاب: حرب أهلية في الثورة الفرنسية» (2005) للبريطاني دافيد أندرس تحمل الثورة الفرنسية المسؤولية عن ظهور أيديولوجيا إبادة المعارضين السياسيين

حيث شهدت فرنسا أول هولوكوست في العصر الحديث عندما أباد جيش الثورة الفرنسية نحو ربع مليون من سكان فندييه (فاندي) بينهم 30 ألفا أدينوا أمام «قضاء استثنائي». وفي هذه الحقبة المظلمة صيغت مفاهيم ما زالت تحكم العالم العربي مثل: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، و«أعداء الشعب». بل يرى أنصار هذا الاتجاه وهم كثيرون في التشكيل الحضاري الإنجلوسكسوني أن هذه هي البذرة التي أثمرت ستالين وهتلر وبول بوت، وغيرهم ممن أبادوا معارضيهم السياسيين.

والصراع الأميركي الفرنسي على العالم العربي هو صراع مفاهيم بقدر ما هو صراع مصالح، وما يكشف عنه المؤرخ الفرنسي المعروف هنري لورنس في كتابه الذي يلخصه عنوانه على نحو ممتاز «فرنسا وتكوين العالم العربي الحديث» أن فرنسا صاغت هذا الحوض الجغرافي على نحو يخدم مصالحها ويعكس قناعاتها،

أولا بمساعدة محمد علي في الوصول للحكم ثم احتضانه وتحويل مصر برضاه إلى ذراع للمصالح الفرنسية ثم استنساخ دولة محمد علي في العراق وسوريا وغيرهما من الجمهوريات التي شهدت تجارب قومية ذات خطاب ثوري، وهو من أسباب غضب فرنسا الشديد لزوال النظام البعثي العراقي ذي الجذور الفرنكفونية.

وعندما تسعى أميركا للتخلص من «دولة محمد علي» وتكون البداية في العراق هذا الصعود الكبير لدور الحوزة الشيعية والتنظيمات الإسلامية فمن الطبيعي أن تنزعج فرنسا وتعارض بكل قوة مشروع الإصلاح الأميركي. ولكن هل يبرر هذا انزعاج التنويريين والعسكر؟

كاتب مصري