مازلت أتذكر المقابلة الصحافية التي أجرتها إحدى الصحف المحلية قبل سنوات مع الفريق ضاحي خلفان عندما تمت الموافقة على إنشاء مركز تأهيل المدمنين بمنطقة العوير، فقد كانت مقابلة مطولة تحدث فيها عن المركز وعن الإمكانات التي ستكون متوفرة فيه والبرامج التي ستتوفر للمدمنين والتي كان يتوقع منها أن تعمل على إعادة تكيف المدمن مع مجتمعه وتأهيله ليصبح مواطنا فاعلا ومتوازنا. وأتذكر أنني قصصت ورقة الجريدة لعرضها على طلابي،

لأنني كنت حينها أدرس مساق الخدمة الاجتماعية للمدمنين، وتفاءل الجميع بإمكانات المركز وبرامجه وأبدى الكثير من الطلبة رغبتهم العمل فيه بعد التخرج. النوايا كانت طيبة، ولا يساورني شك ولو للحظة في نوايا الفريق ضاحي الذي عرف عنه وأثبت في مواقف كثيرة مدى حرصه الوطني واهتمامه ببلده وأبناء بلده، الا انني أعتقد،

وكما قرأت في جريدتنا الغراء «البيان» خلال الأسبوع الحالي، أن المركز فشل في تحقيق الأهداف المرجوة منه، وأنه بدلا من أن يكون ملاذا وفرصة إيجابية لكل مدمن راغب في تغيير حاله، أصبح مكاناً طاردا لا يملك ما يحتاجه المدمن من برامج تأهيلية أو علاجية.

الأسباب التي ذكرت حول عدم نجاح المركز اختلفت باختلاف المتحدثين حوله. فبينما يرى الشخص القائم على المركز أن الخلل يكمن في المدمنين غير الحريصين على التشافي والالتزام ببرامج المركز، يرى المدمنون أن المركز تنقصه البرامج، وأن ما يوجد من برامج ليست فاعلة وتقليدية، وأنه بالرغم من أنه مركز علاجي إلا أنه يفتقر لأبسط أشكال العلاج الأساسية.

فهناك فقر في عدد الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين على حد سواء، وهناك فقر في البرامج العلاجية الاجتماعية والنفسية والعلاج الأسري. هذا بالإضافة إلى أن المركز، كما يذكر المنتسبون إليه، يفتقر إلى وجود الطبيب النفسي المتخصص في علاج الإدمان بشكل دائم.

تعددت الآراء واختلفت وجهات النظر حول فشل المركز في تحقيق الأهداف المرجوة منه، ولا نستطيع هنا تغليب وجهة نظر على أخرى، لأن كلا منها قد يحتمل شيئاً من الصحة والخطأ. ولكن يبدو من الواضح أن هناك خللاً ما، إما في مفاهيم الرعاية والتأهيل المستخدمة في المركز، أو أن الخلل في تطبيق المفاهيم يرجع إلى أنها طبقت على أيدي أناس لديهم النية الطيبة ولكنهم لا يملكون آلياتها العلمية والمهنية.

الأهم من هذا كله الآن في نظري هو التفكير في كيفية تجاوز الأخطاء السابقة والمحاولة من جديد لإعادة تفعيل دور المركز، ولكن بآليات ومفاهيم جديدة وحديثة وعلى أيدي متخصصين في المجال. حيث ان وجود مركز متخصص لعلاج المدمنين أصبح ضرورة ملحة، وقد يكون انعدام أشكال التأهيل المتكاملة للمدمن في كل أنحاء الدولة من الأسباب الرئيسة في تفاقم هذه المشكلة. لذا، إذا أردنا إعادة التفكير في المركز وأهدافه وطرق تفعيله، فإنني أعتقد أنه يجب علينا الأخذ في الاعتبار مجموعة من النقاط الأساسية.

أولى هذه النقاط هي القيام بتقدير علمي لحاجات المدمنين العلاجية، لأن العلاج الذي قد يناسب أحدهم قد لا يتناسب مع حاجة المدمن الآخر. أيضا يجب علينا التدقيق في اختيار الخدمات التي ستحدث فعلا التغيير المطلوب، وذلك حرصا وترشيدا للموارد التي ستكون متاحة، لأنه، وكما نعلم جميعا، علاج الإدمان يعتبر من العلاجات المكلفة مادياً.

ثانيا: يجب علينا مراعاة توفر كل مراحل العلاج وعدم الاقتصار على توفير مرحلة دون الأخرى، وذلك لأن علاج الإدمان يجب أن يكون علاجا متكاملا حتى تتحقق الأهداف المرجوة منه، والمتمثلة في تحقيق الصحوة الكاملة للمدمن. أي أنه من الضروري تزامن، بالإضافة للعلاج الطبي (المعالجة بالمواد الكيمياوية)، العلاج النفسي والاجتماعي المناسب لكل حالة، بجانب العلاج الأسري.

أيضا يجب علينا إدراك أن المدمنين لا يتشابهون في حالاتهم ولا في تجربتهم الإدمانية، فكل منهم حالة متفردة في خصائصها. لذا يجب علينا تنويع الاتجاهات العلاجية التي قد يستخدمها المركز لكل حالة على حدة، وهناك تجارب عالمية كثيرة يمكن الاستفادة منها في هذا الشأن.

مثلا، يجب أن تكون هناك إعادة تأهيل للمرضى المقيمين في داخل المركز وهذا النوع من التأهيل يكون محصوراً للحالات الصعبة التي تفتقد كل أشكال السيطرة على سلوكياتها الإدمانية، مثل الأشخاص الذين يعانون من سلوكيات تحطيم الذات، او الذين لديهم أفكار انتحارية أو بعض المشكلات النفسية والسلوكية الحادة. مثل هؤلاء يجب أن تتوفر لهم خدمات طبية وعلاجية وتعليمية مكثفة مع توفر الحماية الأمنية.

أيضا يجب أن تكون هناك خدمات إرشادية للمرضى الخارجيين توفر خدمات تعليمية وقائية للناس الذين لم ينزلقوا بعد في هاوية تعاطي المخدرات، بالإضافة إلى خدمات ما نسميه بالتدخل المبكر، والذي هو عبارة عن برامج نفسية ـ تعليمية للذين يتعاطون المخدرات ويكونون أكثر عرضة للإصابة بالمشكلات الأخرى المتعلقة بالإدمان.

يجب أيضا أن نضع في اعتبارنا الحاجة لإرشاد نفسي واجتماعي مكثف على أيدي متخصصين، وعدم الاكتفاء بالاستعانة برجال الدين فقط لتقديم النصيحة، وإن كان التأكيد على دورهم مهماً. ونقصد هنا بتوفر العلاج النفس ـ الاجتماعي المكثف، توفر على الأقل 20 ساعة إرشادية في الأسبوع لكل حالة.

ولا ننسى هنا ضرورة توفر العلاج الأسري، والذي أثبتت الكثير من الدراسات أهميته في إنهاء مشكلة الإدمان، وهو ما يسعى إلى تعديل وتغيير البيئة الأسرية، وبعض أشكال السلوكيات السائدة في الأسرة المشجعة للسلوك الإدماني. وهناك الكثير من العلاجات والكثير من الاتجاهات والأفكار المتعلقة بعلاج المدمنين ولكن لا يسعني ذكرها والتعليق عليها هنا.

نقطة أخيرة أود التذكير بها هنا وهي المتعلقة بقانون إثبات حسن السير والسلوك للمدمنين، فكما نعلم جميعا أن مثل هذه الشهادة لا تمنح للمدمن إلا بعد مرور ثلاث سنوات على خروجه من الحجز أو العلاج، وبشرط أن يثبت في غضونها حسن سلوكه.

مثل هذا القانون قد يشكل عائقاً أمام تأمين هؤلاء الشباب لحياتهم من خلال الحصول على الوظيفة والاستقرار المادي. مما يخل بهدف إدماجهم في المجتمع وتوفير الفرص لبدء حياة جديدة ومستقرة لهم، والمطلوب من الجهات المعنية بمثل هذا الأمر مراجعة مثل هذه القوانين وتعديلها حتى تكتمل دائرة العلاج ونحقق الأهداف التي نصبو إليها.

جامعة الإمارات