أخبار الأيام القليلة الماضية، عن لبنان، تدعو إلى الارتياح؛ ولو الحذر. على الأقل لأنها ليست من البضاعة ذاتها المتداولة منذ حين. فهي تشير إلى أنها تركت حالة من الاسترخاء وأعطت استراحة من التأزيم والإحباط، اللذين طالت اقامتهما في ربوعه. الأمر الذي أدى إلى توسيع فسحة الأمل والتفاؤل ولجم تمدد السواد والتشاؤم.
وبمقياس حالة التوتر والانسداد التي عاشها هذا البلد الشقيق منذ نيف وسنة فإن ما شهدته ساحته يصح تصنيفه في خانة الانفراجات، التي طالما غابت عن أوضاعه والتي يتوجب تعزيزها وتطويرها. وربما كان التزامن بين تطوراته الإيجابية هذه وبين اقتراب حلول فصل الربيع؛ أكثر من صدفة. ربما كان ذلك ايذانا بأن ربيع لبنان السياسي بات على الأبواب، على الأقل هذا ما نأمل ونرجو.
التزامن هذا حصل بين تطورين:
تمخض الحوار الوطني عن توافقات لا بأس بها. وصدور التقرير الأول للمحقق الدولي براميرتز؛ والذي حظى مضمونه بترحيب الأطراف المعنية كافة. الحوار الذي بدأ يوم الثاني من مارس الجاري، تعلقت عليه آمال بقدر ما أحاطت به مخاوف.
فالخلفية مشحونة والفجوة واسعة؛ والعلاقات بين الأطراف مأزومة إلى آخر الحدود. يضاف إلى ذلك أن بنود الحوار معقدة ومن صنف الأساسيات. وفي ظل هذه المعطيات كان مجرد اللقاء والرغبة في الحوار، خطوة مشجعة. لكنها كانت لحظة حبس أنفاس تأرجحت البداية بين الحلحلة والتعثر.
الأجواء كانت غير عكرة. لكن الاستراحة المبكرة أشاعت بعض الاحباط؛ ليعود بارومتر الاستبشار إلى الارتفاع حين أعلن في اليوم الثاني من الجولة الثانية عن توافقات تتعلق بالسلاح الفلسطيني خارج المخيمات ولبنانية مزارع شبعا وإقامة علاقات سليمة مع سوريا.
وهي ملفات شائكة، لم يكن من السهل مقاربتها وتحقيق الإجماع عليها بهذه السرعة. تنفس اللبنانيون بعض الصعداء ومعهم العرب، لا شك؛ ولو أن الحوار جرى تعليقه للأسبوع المقبل حيث يكون على طاولته بنود أكثر صعوبة وحساسية. لكن البداية وحصيلتها، كانتا طيبتين في كل حال.
وقد زاد من إيجابية الأجواء ما احتواه تقرير المحقق براميرتز، في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. باعتراف الجميع كان عمله مهنيا، حافظ على سريته وأصوليته وبعده عن الأضواء وعلامة الرضا الفارقة صدرت عن سوريا، التي شهد لها التقرير بحسن التعاون لاسيما انه اشار إلى حصول تقدم ملحوظ، ربما صارت معه النهاية وشيكة.
ان تضافر هذه المستجدات والسياقات التي حكمتها، يجعل من غير المجازفة القول إن ثمة تحولا يجري في وجهة رياح الأزمة اللبنانية. يعزز هذا الاعتقاد ما رافق الانفراجات هذه ، ـ خاصة النابعة من الحوار ـ، من اشارات وتلميحات،عن اتصالات وتحركات وربما مبادرات عربية، كان لها دور الرافعة؛ التي ساهمت في تفكيك العقد وتعويم مركب الحوار. أو على الأقل منعه من الانكسار والغرق.
وبذلك يكون الوضع اللبناني قد تراجع عن حافة الهاوية، وأخذ انعطافة مختلفة، في اتجاه آخر.المطلوب الآن أن يندفع قطاره، في هذا الاتجاه. وإذا كان التزخيم العربي ما زال له دوره في هذه العملية، فإن دور اللبنانيين لا بد أن يكون أكبر خاصة أنهم قد أثبتوا ان بإمكانهم التحاور والاتفاق وأن بمقدورهم ترجمة الشعار الذي رفعوه: ممنوع الفشل.