لم يكن مشهد اقتحام القوات الاسرائيلية مساء أمس الاول لسجن أريحا والذي جرى فيه اختطاف الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين احمد سعدات وأسره ورفاقه مشهدا عاديا بل انه الذي مثل تحديا سافرا وانتهاكا متغطرسا وتصرفا موغلا في الاستفزاز والتنكر لكل القيم الانسانية والاتفاقات الموقعة بين حكومة الاحتلال الصهيوني والسلطة الفلسطينية بما في ذلك الاتفاق بشأن السجناء الذين تم اختطافهم من سجن اريحا مع ان ذلك الاتفاق تم برعاية امريكية وبريطانية .
وتتضاعف جسامة هذا الفعل العدواني الذي اقترفته اسرائيل بكونه الذي جرى بكل تفاصيله بصورة علنية وعلى مرأى ومسمع العالم كله الذي شاهد وسمع وتابع عبر الفضائيات ولساعات طوال كيف ان اسرائيل باتت تمارس الارهاب على نحو مكشوف ودون ان تخشى أحدا بعد أن صم العالم أذنيه تجاه تصرفاتها في مراحل عدة الى درجة باتت فيها اسرائيل تظهر وكأنها فوق كل القوانين والأعراف الدولية إن لم تكن الاستثناء الذي يتحرك بمشيئته كيفما شاء يصول ويجول احتلالا وتدميرا واستهدافا لشعب باكمله.
ولعل اسرائيل باقتحام سجن أريحا قد ارادت من خلال ذلك العدوان ان توجه رسالة للعرب أولا وللمجتمع الدولي ثانيا مفادها ان السلام كلمة غير موجودة في مفرداتها.. وأن من يبحثون عن هذه المفردة انما يندفعون وراء سراب لامكان له على أرض الواقع..
لقد كانت اسرائيل في الماضي تحاول تبرير كل اعتداءاتها بتعليقها على شماعة الرد على عمليات المقاومة لكنها ،ربما هذه المرة لم تعد بحاجة لهذا التبرير بدليل ماقامت به في اريحا مع انه ومنذ عدة اشهر لم يجرح او يقتل اسرائيلي واحد على أيدي نشطاء المقاومة كما لم تشهد مدنها أية عملية تفجيرية من قبل الفصائل الفلسطينية لتؤكد اسرائيل أن المطلوب بالنسبة لها ليس وقف المقاومة الفلسطينية رغم عدالتها ومشروعيتها .. وإنما اقتلاع الشعب الفلسطيني ووأد قضيته والاستيلاء على أرضه واخضاعها للاحتلال الدائم.
وأمام هذا العدوان الصهيوني السافر تبرز صوابية الرؤى والمطالبة اليمنية التي تعيد الى القناعات الإحساس بالحاجة إلى قيام موقف عربي وإسلامي ودولي يتبع الخيارات الموصلة إلى سلام عادل ترتسم في إطاره عوامل العدل والانصاف عن طريق تطبيق الأنظمة والقوانين الدولية على الجميع وفي مقدمتهم اسرائيل باعتبار أن ذلك اصبح من المسائل الضرورية التي ستسهم في تزويد العلاقات الدولية باسباب الرسوخ بل أن ذلك هو من سيفتح المجال على أوسع نطاق لإصلاح النظام الدولي وتكريس قواعد الأمن والاستقرار والتقدم الانساني صوب التطوير الحضاري والشراكة الاقتصادية التي تتشكل على نسقها المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة التي تعود بثمارها على مختلف الشعوب والمجتمعات والبشرية جمعاء.
وليس صدفة أن اسرائيل قد أرادت باقتحام سجن أريحا ان تضع العالم امام حقيقة أنها قد اسقطت قضية الشعب الفلسطيني من أجندتها وأن هذه القضية أصبحت بالنسبة لها ليست أكثر من ورقة يتسابق فيها المتنافسون في ميادين الانتخابات لإقناع الناخب الاسرائيلي بما يتمتع به كل واحد منهم من قوة وارادة على قهر الفلسطينيين واذلالهم والتنكيل بهم وهدر دمائهم..
والمؤسف حقا ان يحدث كل ذلك في الوقت الذي تختفي فيه كل الأصوات التي كانت تطالب الفصائل الفلسطينية بالتهدئة وعدم إعطاء الفرصة للاسرائيليين بالرد على أي عملية فدائية أو غيرها .والأكثر إيلاما ان أولئك الذين كانت ترتفع أصواتهم تنديدا واستنكارا لاي رد فعل مقاوم من قبل أبناء الشعب الفلسطيني .. هم من يتوارون اليوم عن الأنظار بل ويغلب عليهم صمت النيام إزاء ارتفاع وتيرة العدوان الصهيوني.. والحملة المسعورة التي تبدو فيها القوى والاحزاب الصهيونية تتبارى في مزاد الدم الفلسطيني.
ولاندري بعد كل ذلك ماذا سيفعل العرب؟؟ وماذا سيكون موقفهم؟؟ ومتى سيتحركون؟؟ مع أنهم الذين لايغيب عنهم ان ماتقترفه اسرائيل من جرائم.. لا يقبل أي قدر من الصمت او التخاذل .. وان استمرار مثل هذا الصمت والاكتفاء بردود الافعال الخجولة لن ينعكس إلا في تشجيع اسرائيل بل وتحفيزها على الإيغال في أعمالها الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني.
ومن المخزي أن يظل العرب في موقف المتفرج على أشقاء لهم يتعرضون لأبشع جرائم العصر وكأن مايجري لايعنيهم من قريب أو بعيد.