خلال العقود الطويلة التي شهدت حرب الهولنديين والبلجيكيين من أجل الاستقلال، تكونت العبارة الفلمنكية الشهيرة التي حملت صيغة الدعاء: «لعل أحفادكم يعيشون أوقاتا غير عصيبة».

فيما يتعلق بالمشهد الاقتصادي في الولايات المتحدة الأميركية، تشير أغلب الاحتمالات إلى أن العامين 2006 و2007 لن يحملا أي أوقات عصيبة. وعدم وجود جديد على الساحة الأميركية هو أمر يمثل أحيانا أخبارا سعيدة للاقتصاد العالمي.

لقد غادر آلان غرينسبان، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، منصبه. فليحيا الرئيس الجديد بن برنانكي. ويا له من محظوظ أن يتولى المنصب في الآونة الحالية. فقد كانت بداية العام جيدة بالفعل: تجارة التجزئة في أميركا تحقق مبيعات جيدة.

وهناك ارتفاع طفيف في أسعار أسهم وول ستريت، الأمر الذي يمنح بن برنانكي الحرية في أن يحذر من أن معدلات الفائدة قد يتم رفعها على الأقل مرة أخرى، من ثم يُقنع مسؤولي وول ستريت بأن الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي لن يتهاون إزاء أي تضخم.

وبعيدا عن المشهد الاقتصادي، يتبين أن الرئيس بوش محاصر بمشكلات لا حل لها:

1- قوبلت خطته لإبرام اتفاقية سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بفيتو عقب انتصار حركة حماس الإسلامية.

2- لم تقدم الانتخابات العراقية أي حل للانقسامات الطائفية بين الشيعة والسنة فضلا عن ذلك يشن المقاتلون هجماتهم في أي مكان وفي كل مكان.

3- إيران التي كانت يوما ما أحد حلفاء أميركا أصبحت عدو أميركا اللدود. ويخشى الخبراء من أن تنجح إيران بمفردها أو بمساعدة علماء مارقين في إنتاج قنابل نووية بأعداد كبيرة تُشكل خطورة.

4- بدأت تتفكك خيوط النجاح الذي حققته أميركا ضد حركة طالبان في أفغانستان.

5- مشاهدو التلفاز يتابعون يوميا الأعداد المتزايدة للمصابين والقتلى الأميركيين. فعدد القتلى الأميركيين يصل الآن إلى خانة الألوف في حين أن أعداد القتلى من غير الأميركيين تتخطى هذا الرقم بمراحل كثيرة.

لقد كتبت الفقرات الخمس الماضية وكأنها حقائق مُعترف بها من قبل الجميع. غير أن محاولات التلفيق من قبل البيت الأبيض وزعماء الكونغرس تهدف إلى نفي تلك الحقائق. فباستثناء أقلية ضئيلة من ناخبي المعسكر اليميني في أميركا، فإن القاعدة الانتخابية قد وصلت إلى مرحلة فقدان الثقة في التصريحات الرسمية التي تصدر عن الحكومة.

لا عجب إذاً في أن استطلاعات الرأي توضح انخفاضا في شعبية الرئيس. ولا عجب في أن مشرعي الحزب الجمهوري في الكونغرس غير قادرين على متابعة ميزانيته المقترحة وبرامج التكافل الاجتماعي وبرامج الرعاية الصحية التي تقدم بها الرئيس.

وفي المجمل، فإننا نحن الأميركيين لسنا سعداء في الآونة الحالية.

ولكن هل هذا يعني أن انتخابات الكونغرس في 2006 ستشهد بالتأكيد عودة قوية لمرشحي الحزب الديمقراطي.

أنا خبير اقتصاد ولست خبيرا في اتجاهات آراء الناخبين. ولكن بقدر ما يحمله رأيي من أهمية، فإنني أرى أن عددا قليلا فقط من مقاعد مجلس الشيوخ أو مجلس النواب ستتغير وجهتها الحزبية خلال الخريف المقبل.لماذا؟

لأن الذين أيدوا بوش في البداية وأصيبوا الآن بالصدمة مما حققه من فشل لا يعلمون أين يمكنهم أن يحصلوا على البديل المناسب الذي يستطيع أن يجتذبهم. فلا يوجد هناك أي وجود لشخصية ديمقراطية تتمتع بالجاذبية التي كان يحظى بها رجل مثل رونالد ريغان على سبيل المثال.

فضلا عن ذلك هناك سبب أكثر بساطة وأكثر أهمية أيضا يفسر أن الجمهوريين سيحتفظون بتفوقهم واستحواذهم على غالبية المقاعد. أميركا الآن هي دولة الأثرياء. صحيح أن كل مواطن له صوت واحد فقط، ولكن الأموال المتدفقة من دوائر الضغط التجارية والاستثمارية والأيديولوجيين الأثرياء إذا صح القول- تلك الأموال يمكن أن تغيّر مسار ألوف الأصوات.

هل أتحدث عن عمليات احتيال غير قانونية؟

لا. ليس الأمر كذلك. فالمرشح الذي يريد أن يكسب منصبا الآن في أميركا عليه أن ينفق ملايين الدولارات لتحقيق هدفه. وهؤلاء الذين يملكون الأموال لديهم حافز أكثر من أي وقت مضي كي يبعدوا الإصلاحيين الديمقراطيين خارج نطاق السلطة.

في السنوات الأولى لفترة الكساد العظيم في الثلاثينات من القرن الماضي، كان هناك مأزق سياسي ذو أثر بالغ الضرر. غير أن وجود مأزق يُبطئ من محاولة الرئيس بوش الثأرية لتقويض دولة الرفاهية التقليدية الخاصة بأميركا، وهي الدولة التي تنتشل الفقراء وتعساء الحظ من وطأة الرياح الباردة للعولمة، قد يكون أفضل ثاني الحلول للسنوات القليلة المقبلة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن أي عبارات متفائلة تحمل تطمينات خرجت مني في وصفي للعامين 2006-2007 ستكون بحاجة للتعديل في حال أن فكرنا في الكوارث التي ستحدث في نهاية العقد بسبب عجزين مزعجين في الميزانية الأميركية:

الأول: يتعلق بتضخم عجز الميزانية.

والثاني: وهو الأسوأ، تصاعد المديونية الخارجية للولايات المتحدة الأميركية.

الوصول إلى قيمة معتدلة ومنتظمة للعملة الصينية اليوان هو خطوة لا يمكنها في الواقع أن تبطئ بشكل كبير عجز الميزان التجاري الأميركي الآخذ في التنامي بشكل سريع. فجورج بوش، شأن الملك لويس الخامس عشر- ذلك الملك الذي كان يفتقد الشعور بالمسؤولية- لو كان قد درس علم الاقتصاد بشكل أفضل في جامعة يال، لكان قد اتبع بكل أمانة مقولة « أنا ومن بعدي الطوفان».

لقد انتهيت لتوي من قراءة التقرير الاقتصادي الجديد لعام 2006 الخاص بالرئيس الأميركي والذي أعده مجلس المستشارين الاقتصاديين. وللأسف لم أجد فيه أي تقويم واقعي للمخاطر المستقبلية.

هناك نتيجتان نهائيتان يمكن استنباطهما من المشهد الحالي:

1ـ في أوقات ما غير معلومة من المستقبل، يمكن للحكومات والشركات الأجنبية أن تبيع أسهمها الأميركية منخفضة الفائدة من أجل حيازة وامتلاك حصص كبيرة في شركات أميركية كبرى.

2ـ أو في وقت ما في المستقبل يمكن أن يقود حملة الأسهم الأجانب حملة ضد الدولار لمصلحة الأصول الأوروبية أو الأصول اليابانية بالين أو الأصول الصينية.

البديل الأول اقل خطورة من البديل الثاني. أما في حال حدوث البديل الثاني فإنه بالتأكيد سيتسبب في كارثة مالية عالمية وسيدفع أميركا إلى اتخاذ إجراءات تهدف إلى أحكام السيطرة على رؤوس الأموال.

ان السدود الموجودة في نيو أورليانز محكوم عليها بالانفجار أمام أي إعصار قوي قد يقع في المستقبل. وبالمبدأ ذاته فإن ما يغرسه الاقتصاد المسحور لبوش من بذور سيتسبب في يوم ما في كوارث عالمية حقيقية.

خدمة لوس انجلوس تايمز

خاص لـ «البيان»