المشهد مرعب ومفجع. أكوام مكدسة من الجثث العراقية، المشوهة والممثل بها إلى أبعد الحدود، باتت اكتشافاً يومياً، في البلد النازف. أخبارها وصورها ملقاة كالنفايات، على قارعة الطريق أو في الزوايا والأزقة المظلمة، تثير الشعور بالصدمة والمخيف أنها لم تعد أحداثاً معزولة أو هامشية. وإنما صارت ظاهرة ونمطاً سائداً. ويبدو أنها صارت تمارس من الجانبين.
وهنا وجه الخطورة القاتلة والمدمرة. وما هو مريع فعلاً أن التعامل مع هذا الواقع المتفاقم، لم يخرج عن المألوف. وكأن هناك تسليماً به وبالتعايش معه كأحد افرازات الأزمة، وليس كمحطة متقدمة على طريق الانتحار الوطني!
وما يزيد الطين بلة، ويرفع من درجة القلق والإنذار، أن هذه الظاهرة بدأت تكبر وتعوم على سطح الأحداث بالترافق مع تكرار الحديث، الأميركي والعراقي، عن الحرب الأهلية.
بل ثمة من بدأ يردد أن هذه الحرب باتت أمراً واقعاً، على الأرض. كذلك فإن «حرب الجثث» هذه أخذت تشتد بالتزامن مع اعلان لندن وواشنطن عن عزمهما البدء في خفض أو إعادة تموضع، لقواتهما في العراق.
فإدارة الرئيس بوش، بعد مكابرة مريرة، أعلنت قبل أيام على لسان سيد البيت الأبيض أنها قررت نقل المهمات الأمنية، فوق معظم الأراضي العراقية، إلى القوات المحلية الناشئة قبل نهاية العام الحالي، حكومة بلير، هي الأخرى، كشفت عن قرارها في مطلع الأسبوع، عزمها خفض قواتها بنسبة 10% مع حلول شهر مايو المقبل؛ لتحل مكانها قوات عراقية.
تطور ملفت، على تواضعه. فهو يؤذن ببداية العد العكسي لمغادرة قوات الاحتلال لمواقعها الساخنة في المدن ومراكز التجمعات البشرية الكثيفة؛ والتراجع إلى الخطوط الخلفية التي لا تعرضها للهجمات. فهي تريد تقليل خسائرها. وقد يكون قرارها من النوع المفخخ، في ضوء طبيعة الصراعات الناشبة فوق هذه الساحة.
لكن مهما يكن من أمر فإن خروجها من المدن ومن مواقع الاحتكاك مع العراقيين، يفترض أن يكون له جانب إيجابي. على الأقل فهو يزيل كابوس الاحتلال المباشر عن كاهل المواطن العراقي؛ في حياته اليومية.
لكن هذا الافتراض مشروط بأن تكون الاجواء العراقية مهيأة لتحويله باتجاه الانفراج. فهو بقدر ما يمكن اعتباره نعمة، بقدر ما يمكن ان ينقلب إلى نقمة. سيف بحدين. في الظرف الحالي وفي ضوء المعطيات القائمة، تسليم الوظيفة الأمنية لقوات عراقية، لا يبدو أنه أقل من قنبلة موقوتة.
الشروط الكفيلة للنهوض المحلي بمثل هذا العبء وبما يعزز الوحدة الوطنية ويسرع في الرحيل التام للاحتلال؛ غير متوفرة. على العكس، نقيضها هو المتوفر.
والمدخل لقلب المعادلة وتهيئة الأوضاع بما يضمن إحباط وتعطيل أي تفخيخ محتمل. أو البدء ببناء الاستقرار المرغوب؛ طريقه واضح ومعروف: الاستعجال في تجاوز الاشكالات السياسية وتأليف حكومة الوحدة الوطنية المطلوبة وما يستتبع ذلك من استكمال الصياغة للدستور بصورته النهائية.
ركوب غير هذا القطار وجرجرة الأزمة، بحيث يأتي موعد النهوض بالمسؤولية الأمنية والبلد على غير توافق سياسي ووسط «حرب جثث» محتدمة، لن يكون سوى وصفة إلى الفرق بالاقتتال الأهلي وإحياء لنموذج حرب داحس والغبراء في أرض الرافدين.