كنا زمان اذا جلسنا واضعين يدنا على خدنا نسمع كبيرا ينادي «محملك طبع» فننتبه لجلستنا وانشغال بالنا، ونسأل لماذا يردد الكبار ذلك القول، فنحن لم نكن من جيل زمان المحامل والبحر والإخطار، وتتوالى الحكايات عن أصحاب السفن الذين يجلسون على الشاطيء ينتظرون عودة حلالهم.
وأيديهم على خدودهم، يسرح بهم الفكر والظن أينما شاء، مع كل هبة هواء واشتدادها، ومع كل يوم وساعة تضاف إلى الرحلة التي طالت غيبتها.
ويتذكرون كل الأهوال، من البحار والممرات المظلمة التي يظنون ان لا قاع لها، إلى مضائق التيارات الدوارة، وحتى العواصف الموسمية في بحر الهند، ويكاد الواحد منهم يشرق عندما تتراءى له «غبة سلامة» آكلة الخشب والبشر وقاطعة الأنفاس وقاتلة الملاك، سيدة «سنة الطبعة».
حيث يقال أنها ابتلعت عشرات السفن الخارجة من كل موانيء الخليج، مذلة الأعزة من القوم، وحارقة أكباد النساء المترملات، والأمهات الثكالى، والأطفال اليتامى.
تلك حكايات زمان، حيث سجل التاريخ «سنة الطبعة» ميقاتا وتقويما للأعمار والأحداث، و«الطبعة» تعني الغرق، وتقال للسفن الغارقة فقط، أما «الغبة» فهي البقعة السوداء من البحر، حيث لا زرقة ولا اختلاط ما بين لون القاع وانعكاس أشعة الشمس، وتكتسب ذلك اللون الضارب في السواد من شدة عمقها، اما «غبة سلامة» فهي معروفة لكل أهل البحر وتقع عند مدخل الخليج.
وفي تلك السنة انتهى تاريخ وابتدأ تاريخ، فكان يشار إلى الشخص بأنه ولد قبل « سنة الطبعة » بعشر سنوات، فتعرف كم عمره بالتحديد لأنك تسمع من الكبار أي سنة هذه التي انت فيها من بعد «سنة الطبعة» وهكذا ارتبط كل بيت بها، وارتبطت هي بكل شخص.
وقد قيل عن مآسيها الكثير، ليس اقلها الا البيوت التي انهارت، والعائلات التي تشتتت، وعلية الناس الذين أصبحوا في الحضيض بعد أن ضاع مالهم وجاههم في غياهب الظلام.
نتذكر كل ذلك ونحن نرى الرؤوس مسنودة بالأيدي، والعيون خارجة من مآقيها، نتذكر عندما نرى رجالا يكلمون أنفسهم وكأن وباء «الخرف» قد أصاب الناس جميعا، فأي غضب هذا الذي حل؟
انه ليس «طوفان» يهيج البحر الذي يبتلع «المحامل» بمن عليها، ليس قدرا يسلم الناس بقضائه، وليس ابتلاء يمتحنون فيه، هذا تدبير منظم ومرتب ومخطط له من «حفنة» من الطامعين غير المؤتمنين على مقدرات الناس، واتتهم الفرصة لأن يتلاعبوا بالمصائر، وان يعتمدوا سياسة الحرق لحقوق الآخرين وأرزاقهم، فقادوا كل «المحامل» إلى «غبة» لا تبقى ولا تذر.
وتركوا على أهوائهم باسم العرض والطلب وحركة السوق، و«طبعت» الألوف المؤلفة والصمت يلف من سلم اليوم أو أمن مخاطر هذا «الطوفان»، رغم أننا اليوم غير الأمس، اليوم كل سفننا مربوطة بسلسلة واحدة، فإن غرقت احداها سحبت غيرها معها إلى القاع، ولن يسلم أحد.
myousef@albayan.ae