شاع مؤخرا نمط من الكتابة السياسية والتحليل الثقافي في صحفنا العربية يستند إلى ترديد وإعادة انتاج ما ينشر في الغرب الاميركى أو إسرائيل، دون التصدي له برؤى نقدية في تفاعل حضاري، يضيف لنا دون ان تتحلل هويتنا أو تمسخ.
بل على العكس يكرس هؤلاء الكتاب لحالة الإفلاس الفكري، لتبرير الدفاع عن قضيتهم الخاسرة: ان سبيل الخلاص الوحيد هو إعلان الاستسلام النهائي والانضمام إلى قافلة «التبعية» الشاملة بحثا عن البطاقة الخضراء في أرض الأحلام!
قد تكون هناك أسباب تصلح ان تكون مقدمات لحالة الافلاس هذه، منها أجواء الهزيمة التي تعيشها الأمة، وأوضاع التخلف الاقتصادي والعلمي.
والقحط السياسي الذي أوصلتنا إليه عقود من القهر والقمع والاستبداد، سواء كان المستبد عدواً خارجياً شن غزواته لدرجة لم يخل عقد في تاريخنا المعاصر دون حرب أنهكتنا وأهدرت ثرواتنا، أو كان المستبد سلطة محلية، لا فرق لان الاثنين وجهان لعملة واحدة، يجسدان مصطلح «التضايف» لا يكتمل وجود أحدهما إلا بذكر الآخر.
لكن مع التسليم بهذه المقدمات ليس هناك من مبرر لصعود ظاهرة الافلاس الفكري، سوى ان البعض من المنتمين إلى نخبة الأمة قد فقد «ظله» وراح يبحث عن مصدر للبقاء واستمرار الوجود فوق السطح سوى بالتعلق بحبال النجاة التي تربطه بالاجنبى المنتصر.
واختراع وظيفة تسويق سياساته والدفاع عنها، في تكرار عصري لظاهرة «الطابور الخامس» التي بدأت مع المعلم يعقوب المصري الذي التحق بحملة الجنرال الفرنسي نابليون بونابرت، وافنى عمره في تبشير المصريين بفوائد وخيرات الحملة التي ستحررهم من ظلم المماليك، وتنقلهم إلى عصر الأنوار، غير عابيء بمشهد خيل الفرنسيين.
وهى تدنس الأزهر الشريف، وتسير فوق تلال من جثث الشهداء في ثورتى القاهرة، حتى انتهى الأمر بيعقوب مطرودا ومنفيا في باريس، بعد هزيمة نابليون.
المفلسون الجدد، يمكن رصدهم من خلال تعاطيهم مع المشروع الاميركى الاسرائيلى للشرق الأوسط الجديد، أو مع مبادرة نشر الديمقراطية، ودعم الإصلاح السياسي.
في البداية، وقبل ان تختبر صدقية وجدية الدعم الاميركى للديمقراطية في بلادنا العربية، أو ان توضع الصياغة الإسرائيلية المراوغة عن «الشريك الفلسطيني» على المحك، أمطرنا المفلسون الجدد بأحاديث معسولة عن الرفاهية والحريات القادمة.
وعرجوا في طريقهم على نهش لحم «العروبيين والقوميين» باعتبارهم السبب الرئيسي للتخلف والعداء الأحمق مع رعاة المشروع الديمقراطي الحديث، من أبناء العم سام، أو أبناء صهيون.
مع بروز أول اختبار عملي، في مصر وفى فلسطين،سقط المشروع الاميركى الاسرائيلى، وتحول حلم الديمقراطية إلى كابوس مزعج، ،واكتشف انه كان يجرى وراء سراب «الليبراليين العرب»، وبالتالي خفت صوت دعايته ودفاعه عن الحلم الديمقراطي.
أو حقوق الإنسان، وان كان في الأخيرة مضطرا للصمت لأنه أول منتهك لها، و«على رأسه بطحة» التعذيب في سجون أبو غريب ، وفضيحة السجون الطائرة، وغيرها في العراق وأفغانستان،وفي فلسطين تكررت الصدمة بالفوز المذهل لحركة حماس الإسلامية.
في الحالتين، لم يخف الراعي الاميركى أو الشريك الاسرائيلى حيرته وذهوله، وقدم تفسيرات مرتبكة، إلا أنها أكثر واقعية، على الأقل أرجعت ظاهرة صعود الإسلاميين إلى السخط الشعبي من الفساد والفوضى والقهر والقمع، اما تبريرات المفلسين العرب فقد جاءت مثيرة للسخرية، وتعبيرا عن العقم والخواء، خذ مثلا ما كتبه وصرح به احد منظري التفاوض مع الشريك الاسرائيلى حتى آخر فلسطيني.
ووصفه ان هناك تقاطعاً بين برنامجي حماس وحزب «كاديما» الليكودى المنشأ، وقارنه بقول أديب اسرائيلى بأنه لا مجال للتوصل إلى اى حل دون التفاوض مع حماس، ولم يطالب هذا من حماس الاعتراف أولا بإسرائيل، خلافا لما فعله المناضل المتقاعد.
وهناك مثال أخر على افلاس هؤلاء، قدمه اسم ذائع له وزنه لكنه سقط في ارجاعه صعود الإسلاميين إلى دور الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي قضى حسب تفسيره على الليبراليين واليساريين ومهد الأرض لهم، وهو كلام اقرب للتخريف منه للتحليل لان الإسلاميين أكثر من حورب في عهد عبد الناصر، بصرف النظر عن الأسباب.
لكن الحمد لله ان هذا المفكر لم يحمل عبد الناصر مسؤولية تفشى انفلونزا الطيور.!