تواجه القمة العربية المقبلة والتي يفترض أن تنعقد في نهاية هذا الشهر تحديات كبرى ومصيرية لارتباطها الوثيق والمباشر بالأمن الإقليمي المهدد في الشرق الأوسط، وحسب القادة العرب التأمل في مشاهد العراق وفلسطين وسوريا ولبنان والملف النووي الإيراني.

إضافة إلى التفجيرات والتهديدات الإرهابية في كل من السعودية والكويت والأردن واليمن. فلا يغالي أحد إذا قال إن الأمن في الشرق الأوسط، الذي تشكله الإدارة الأميركية الحالية، أصبح مهدداً وينذر بالخطر.

في العراق يوجد احتلال عسكري أميركي عاجز عن القيام بكل ما هو واجب على الإدارة الأميركية طبقاً للقوانين والمعاهدات الدولية ذات الصلة من إعادة بناء الدولة العراقية واقتصادها وأجهزتها الأمنية بالرغم من وجود أكثر من مئة وثلاثين ألف جندي من القوات الأميركية.

وتأجيل تأليف حكومة عراقية موسعة في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، والتي شارك فيها أكثر من سبعين في المئة من مجموع العراقيين على اختلاف فئاتهم.

وفي العراق سعي حثيث لانتشار فتنة طائفية بين السنة والشيعة، من شأنها، إذا وقعت لا قدر الله، أن تقود إلى تفتيت العراق جغرافياً وديموغرافياً وتهدد أمن الجوار الإقليمي برمته، ناهيك عن المصالح التركية في العراق والخشية الدائمة من قيام كيان كردي مستقل في شمال العراق.

ولا يخفى على أحد أن المرجعيات الدينية والسياسية العراقية ما زالت تحاول من دون أي نجاح يذكر في وأد هذه الفتنة بالتحذير من مخاطرها ما دامت السلطات العراقية والأميركية عاجزة تماماً عن توفير الأمن.

وهنا لا بد من الانتباه والتنبيه إلى التصريحات الأميركية الرسمية لا سيما تلك التي جاءت على لسان وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد الذي حذر من احتمال نشوب حرب أهلية إذا استمر الوضع الراهن في العراق. وهل هناك ما يبشر بتحسن وتغير الأوضاع العراقية على المديين القصير والمتوسط...؟

إذاً لا بد من التعاطي مع هذا الملف المعقد والخطير في مؤتمر القمة المقبل لأنه لا يحتمل التأجيل خاصة وأن الإدارة الأميركية التي أرادت الحرب وأسقطت النظام السابق ودمرت ما دمرته من أرض وشعب وبناء ومؤسسات تعلن ناقوس خطر الحرب الأهلية في العراق، وبدا واضحاً أن الإدارة الأميركية أدركت يقيناً أنها لن تستطيع حسم «حربها على الإرهاب» على الأرض العراقية.

أما بالنسبة للموضوع الفلسطيني فقد طرأ تطور سياسي نوعي بفوز حركة المقاومة الإسلامية - حماس - في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وهي الآن تحاول جاهدة تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل كل القوى السياسية الفلسطينية. هذا التطور السياسي الجديد في فلسطين سيكون له تداعيات عديدة فلسطينياً ودولياً تتطلب دوراً عربياً قوياَ ومختلفاً بطبيعته عما سبق.

ففلسطينياً، هناك مشكلة جوهرية بعد أن استلمت حماس الحكم في فلسطين المحتلة تكمن في وجود تباين أساسي وجذري في البرامج السياسية وآليات العمل السياسي بين مختلف الفصائل الفلسطينية وخاصة بين حركة فتح التي تمثل التيار السياسي الواقعي في فلسطين المحتلة وبين حركة حماس التي تمثل التيار السياسي المتشدد، الأمر الذي يتطلب منهما التحاور والتشاور باتجاه التوصل إلى صيغة مشتركة للعمل السياسي والمقاومي في المرحلة المقبلة.

وهذا الأمر هو مصلحة فلسطينية وعربية عليا لأنه من شأنه أن يوطد العلاقات الفلسطينية - الفلسطينية ويبعد خطر الاقتتال بين الفصائل الفلسطينية ويساعد على تشكيل جبهة وطنية قادرة على مواجهة المخططات الإسرائيلية المعلنة وغير المعلنة في الأراضي الفلسطينية.

وليس من قبيل الصدفة أن تتحدث الإدارة الأميركية في هذه الفترة تحديداً عن احتمال معاقبة حركة فتح وقياديها بوسائل متعددة إذا ما قررت الأخيرة الانضمام إلى الحكومة الفلسطينية التي تريد حماس تشكيلها، الأمر الذي ينذر بتدخل أميركي - إسرائيلي مباشر في صياغة السياسة الفلسطينية للمرحلة المقبلة.

أي أن هناك محاولة جدية لمحاصرة الحكومة الفلسطينية الجديدة بقيادة حماس وهي تهدف إلى إفشال العمل السياسي الفلسطيني سواء على مستوى بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية وعلى رأسها مظمة التحرير الفلسطينية أو على مستوى صياغة برنامج وطني لمواجهة التحديات الناتجة عن الاحتلال الإسرائيلي.

أما دولياً، فليس هناك من شك أن الإدارة الأميركية وحلفاءها في الاتحاد الأوروبي ستعمل على محاصرة الحكومة الفلسطينية القادمة سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً بهدف إجبارها على تقديم تنازلات سياسية وأمنية دونما مقابل تصب بمجملها في مصلحة الطرف الإسرائيلي وتعزز من موقفه التفاوضي والسياسي.

أو لمحاصرتها من أجل دعم الطرف الإسرائيلي في تنفيذ مشروعه آحادي الجانب لفرض الأمر الواقع دونما الحاجة إلى التفاوض المباشر مع الطرف الفلسطيني.

إذاً لا بد للقمة العربية أن تحسم أمرها بهذا الأمر وتقرر ما هو في مصلحة الشعب الفلسطيني بعيداً عن الأجندة الأميركية وهذا أمر بالغ الأهمية لأن ملف الصراع الفلسطيني - الإسرئيلي كان وسيبقى يشكل عنصراً أساسياً من عناصر التهديد للأمن القومي العربي.

أما ملف العلاقات السورية - اللبنانية الملتهب فهو ملف يحتاج بشكل ملح إلى تدخل عربي مكثف لوقف التدهور المستمر بين البلدين وتصحيح مسار العلاقات الثنائية على قاعدة تحقيق المصالح الوطنية لكلا البلدين وكذلك المصالح القومية من خلال العودة إلى مقررات وميثاق الجامعة العربية.

فلا يعقل أن يترك هذا الملف الحيوي يعالج من قبل أطراف أجنبية تملك أجندات سياسية خاصة بها لتحقيق أهداف إقليمية تصب بمجملها في مصلحتها والتي من شأنها أن تنعكس في نهاية المطاف سلباً على الأمن القومي العربي.

وأخيراً، لا بد للقمة العربية القادمة أن تأخذ الملف النووي الإيراني بمحمل الجد لما لهذا الملف من تأثير على الأمن القومي العربي لا سيما بعد الحديث في واشنطن قبل أيام عن أن إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش تخطط لحملة منظمة ضد طهران، وذلك بعدما حسم الجدل داخل الإدارة لمصلحة الفريق الذي يدعو إلى تغيير النظام الإيراني، على حساب الفريق المؤيد للحلول الدبلوماسية.

وكانت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس قالت الأسبوع الماضي، خلال شهادة لها أمام الكونغرس، «نحن لا نواجه تحدياً من بلد بمفرده أكبر من التحدي الإيراني»، مضيفة أن «مشكلتنا ليست مع الشعب الإيراني الذي نريده أن يكون حراً. مشكلتنا مع النظام الإيراني».

وهذا يستدعي أن تهتم الدول العربية بشكل أكبر بهذا الملف على قاعدة تأمين المصالح الإقليمية لجميع الأطراف وأن ترفض أي مغامرات عسكرية أميركية من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار وزيادة التوترات وانتشار الإرهاب في المزيد من دول المنطقة.

بناء على ما ذكر، إن أمام القمة العربية معضلات جسيمة لا يستطيع أحد أن يقلل من خطورتها وانعكاساتها السلبية على الأمن القومي العربي. فهل القمة القادمة جاهزة لدراسة كل هذه المعضلات وتبني سياسات علاجية من خلال تبني مواقف وسياسات واضحة وتشكيل لجان خاصة للمتابعة...؟

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com