ما حدث في سجن أريحا أمس من عملية اقتحام واختطاف للمناضل الفلسطيني أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، يكشف السياسة الاسرائيلية على طبيعتها، تلك السياسة التي لاتتورع عن نقض الاتفاقيات، وحبك المؤامرات، وتصدير الازمات مادام ذلك في خدمة الأجندة السياسية لحكومة تل أبيب.
لذلك لايمكن فصل تنفيذ هذه العملية عن الظرف الزماني الذي تمت فيه. والرسالة التي أرادت ايصالها للمعنيين بعملية السلام في المنطقة والعالم.
فهذه العملية أراد منها رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود أولمرت صاحب الحزب المهزوز بمرض رئيسة ومؤسسة شارون تثبيت موقعه المتراجع حسب استطلاعات الرأي، فيما تشتعل وتيرة الحملة الانتخابية، وهو بذلك يريد تسجيل نقطة لصالحه بالثار من سعدات المتهم بالوقوف وراء اغتيال وزير السياحة الاسرائيلي رحبعام زئيفي في القدس الشرقية عام 2001.
والعملية كذلك يراد منها محاصرة حماس أمنيا وخلط أوراقها فيما لاتزال تلملم شتاتها لتشكيل حكومة وحدة وطنية، ووضعها في موقف حرج - كما تسعى الى ذلك واشنطن - اذا ما أرادت اعادة ضبط الأمور، ولعل أكبر دليل على ذلك الضلوع الاميركي البريطاني في هذه العملية.
الأمر الذي يضع أكثر من علامة استفهام أمام دور واشنطن ولندن، رعاية عملية السلام، والتفاهمات المنبثقة عنها، ومعلوم أن سعدات موقوف في سجن أريحا منذ عام 2002 بموجب اتفاق بين السلطة الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات آنذاك وبريطانيا وأميركا.
ولقد كان الانسحاب التمهيدي للعملية من جانب الحراس الاميركيين والبريطانيين للسجن الى جانب المباركة الاميركية للعملية كفيلين بتأكيد ضلوع الطرفين أو على الأقل عدم معارضتهما لهذه العملية الشائنة، التي ستضيف بكل تأكيد العديد من المتاعب لـ"حماس"، والشعب الفلسطيني خاصة في ضوء اغلاق المعابر مع مصر والاردن، وجو التوتر والتصعيد الامني الذي ستخلفه.
إن مناخ عدم الثقة، وسياسة التصفية والاغتيالات والهجمات التي لاتتورع عنها اسرائيل، هي ما سيقتل "أحلام" السلام وآماله، وليس سياسة حماس وتوجهاتها وتعاملها مع الملفات الفلسطينية - الاسرائيلية المشكوك فيها قبل تجربتها. ولعل الدم والجسد الفلسطيني هما المباحان دائما والجاهزان دائما لدفع ثمن الازمات الاسرائيلية الداخلية وحملاتها الانتخابية.
في حياة شارون السياسية لم تخط اسرائيل خطوة لطمأنة الفلسطينيين بوجود حكومة سلام في تل أبيب، وعندما جاء رهان محمود عباس على أولمرت فاجأه بعملية أقل ما يقال عنها انها طعنة في الظهر، قصمت جميع الآمال في احياء عملية السلام على الأقل في القريب العاجل.