يواجه العمل السياسي العربي معضلات كثيرة، فقائمة التحديات المطروحة أمام عالمنا العربي قائمة كبيرة ومتنوعة، تتطلب التفكير فيها ومواجهتها والبحث عن حلول لها من خلال انشاء الأشكال الهيكلية والمؤسسية التي تستطيع مواجهتها بطرق علمية فعالة.

إن وقوفنا في حالة رد الفعل والانتظار أو مكتوفي الأيدي، أو في حالة اللامبالاة، يقودنا إلى الضياع. ولا سيما مع تحول العمل السياسي في مختلف الدول العربية إلى جزر معزولة بسبب عدم التفاهم والتنسيق ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية دون أي قاسم مشترك من أرضية تفاهم دون وحدة في آليات العمل.

خاصة أن المستقبل العالمي مليء بأسباب القلق نتيجة هيمنة القطب الواحد على مصير الشرق الأوسط وطمعه الذي لا ينتهي في منابع النفط التي توسعت الآن، إلى الطمع في منابع إيران وبحر قزوين وما حولها.

ويمكن تحديد أهم معالم قائمة التحديات المطروحة أمام العالم العربي والعمل السياسي على المستوى الفكري في عدة جوانب من أهمها: خطورة الادعاء الغربي بأنه لا يوجد بعد ثقافي في التنمية. وأدى هذا إلى التمركز حول الاعتبارات الاقتصادية المادية، وكان سبباً للتمحور حول الغرب وحول الولايات المتحدة بصفة خاصة.

وتزداد المخاطر بتحول الشركات العابرة للقارات و الدولية النشاط، بآلياتها من التحكم من خلال السيطرة على الفئات الاجتماعية، إلى السيطرة على الأفراد والانفراد بهم، وقد تكون هذه الأهم في ظهور صور أشد عمقاً من تبعية الإنسان العربي للهيمنة الغربية، ولا شك أن هذا يعني استسلامه سياسياً وخضوعه اقتصادياً وقهره ثقافياً.

إن تقديم التكنولوجيا في العقود الآتية كأيديولوجية جديدة، يفتح باب الاجتهاد بظهور أكثر من أيديولوجية، كما تفتح الباب للعنف الرافض لذلك.

والأحداث العالمية تؤكد هذا، لا سيما مع الإصرار على حرمان العالم العربي من التقدم التكنولوجي وعدم السماح له بالدخول في مضمار سباق استخدام الطاقة النووية ولو في الأغراض السلمية.

ومن أهم المخاطر التي تواجه الإنسان العربي قيام أجهزة الإعلام عبر فترة طويلة بتصوير الحاجات على أنها الأنماط السائدة للاستهلاك.

ولذا من الضروري الرجوع إلى التفكير في دروب أكثر استقرارا، وتجعل الاهتمام بالحاجات يتعدى مجرد الاستهلاك، وتعطي التفكير في وسائل إشباع الحاجات أهمية الإشباع ذاته.

وعلى المستوى السياسي هناك عقبات لا نهاية لها أمام ممارسة الحرية والديمقراطية، وقد سبق ان تعرضنا لها في مقالات كثيرة.

ويزيد الطين بلة أن الحضارة الغربية تمارس التصعيد السياسي والعسكري والثقافي، حفاظا على التماسك الداخلي للبلدان الرئيسية في النظام العالمي. كما تواصل ممارستها للأنشطة التي أضرت بالبيئة والمناخ على ظهر الكرة الأرضية.

وعلى كل من يستشرف المستقبل أن يجد له مكاناً وسط كل هذه المخاطر، لا سيما الرعب النووي، وغزو الفضاء الخارجي، وتعرض العلاقات الأسرية، والمجتمعات البدوية، ودور الإنسان في العملية الانتاجية، إلى أخطار واضحة تخل بالتركيبة الاجتماعية.

ومن أكبر التحديات ترويج الحضارة الغربية لمقولة ان العالم تحكمه حضارة واحدة، وعلى الكل ان يسعى، مستخدماً ما تحدده من مفاهيم ومؤشرات، ليلحق بما يفرزه من أهداف وغايات.

في ذلك السعي عليه ان يرضخ لتقسيم العمل والعائد الذي تصوغه آليات تعكس فروق التطور التقني، ولهذه الحضارة العالمية مراكز أو مركز وحيد لها الحق تحديد كنة التطور، ومن الافتراضات المكملة لذلك عدم امكانية قيام تنسيق وتكامل عربي الا من خلال أطراف ثلاثة تمدنا بالتقنية والمعرفة ورأس المال!

وحسب منظومة السيطرة الغربية تتمثل علاقات التبادل بين المنطقة العربية والعالم أساساً في تبادل ثروة البلدان النفطية العربية مقابل التقنية والمصانع الجاهزة وسلع الاستهلاك، أما البلدان العربية غير النفطية فلم يبدو لها في الدراسات الغربية ما يبرر أن يكون لها مستقبلاً أصلاً.

والسؤال الآن ـ وبالتحديد ـ أين الحصيلة العربية في مجال التأصيل النظري لفكر نهضوي عربي لمواجهة تلك التحديات بل ومواجهة معدلات تغير العالم الخارجي؟

إن هذه التحديات والمعضلات تحتم علينا ضرورة إعادة النظر في توجهات التنمية، والنظر في جميع المعوقات الاجتماعية التي تحول دون ذلك، ومبدئياً لابد من إدراك ضرورة إحداث تغيير اجتماعي عميق داخل كل دولة.

وإحداث تغيير عميق في علاقاتها الدولية، ولابد أيضاً من إعادة النظر في أنماط الاستهلاك السائدة، وضرورة إعادة النظر في بعض التقنيات التي أفرزتها الحضارة الغربية، وعلى الأخص، تلك التي ارتبطت بأنماط استهلاك الأغنياء، والكثيفة الاستخدام للطاقة، وتلك الملوثة للبيئة والمبددة لمواردها.

ان العالم العربي يواجه العديد من التغيرات الأساسية والمآزق الحيوية والانقلابات التقنية، وهذه بطبيعتها سوف تعيد تشكيل مسار التنمية في البلدان العربية المختلفة، وكذا علاقات التبادل والتبعية على المستوى العالمي.

ولا شك أن هذه التغيرات الأساسية والمآزق الحيوية والانقلابات التقنية تطرح في أكثر من مناسبة أسئلة حول ضرورة الاستعداد لها أحياناً، أو حتمية تفادي بعضها في أحيان أخرى.

وفي جميع الأحوال فإنه يستحيل تجاهلها، وعلى رأس هذه التغيرات الأساسية والمآزق الحيوية والانقلابات التقنية تأتي ثورة «المعلوماتية» التي تعيد تشكيل كل وسائل الاتصال الإنساني، مهددة اللغة والثقافة والقيم، ولكن المؤكد أنها تسمح بالانتشار الواسع، مؤثرة على مفاهيم الأمن القومي ودور الدولة والحدود الوطنية.

وهناك ثورات أخرى، تمتد بآثارها لتغير المجتمعات بالعالم، أبرزها الثورة البيولوجية، وتقنيات، مثل الهندسة الوراثية والاستنساخ تثير حولها حواراً عميقاً، فلسفيا وحضارياً، من حيث مدى تقبل دوافعها، ومن حيث تقبل القيم والدين لنتائجها، ومن نتائجها الاجتماعية غير المحسوبة.

والسؤال المتجدد: ماذا ينبغي على العالم العربي أن يفعل إزاء كل هذه التحديات والمخاطر؟

على العالم العربي ليس فقط المشاركة في الحوار والمتابعة واختبار مدى اتساق أي من نتائج هذه التقنيات مع أصالتنا وما نعتز به من قيم، ولكن عليه أيضاً أن يبذل قصارى جهده في أن تكون له القدرة على الفعل والمبادرة، وأن يخرج من السلسلة الجهنمية لرد الفعل أحياناً، ومن السلبية أحياناً أخرى، ومن طابور الانتظار لما يحدث في أحيان ثالثة.

إن المرة الوحيدة التي تصرف فيها العالم العربي بهذه الروح في حرب أكتوبر «1973»، ويمكن استعادتها مرة أخرى، لا سيما أن العالم العربي استطاع النجاح في ذلك دون شك ودون أي مغامرة أو مخاطرة على الطريقة الصدامية المتهورة التي نجحت دوماً في القراءة الخاطئة للواقع الدولي.

لقد استطاع العالم العربي أن يكون له في النصف الأول من عقد السبعينات كلمة مسموعة على المستوى الدولي وفق قراءة صائبة للخريطة الدولية وتعاون مبني بين الزعماء العرب.

فهل ذلك بكثير عليه الآن؟

منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات