لم نكن، لا نحن ولا العالم، بحاجة إلى دليل أو اثبات جديد لنتعرّف على مدى الغدر والعدوانية الشرسة، في السلوك الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني وقياداته ومؤسساته، فتاريخ إسرائيل حافل بمثل هذه الممارسة وسجلها طافح بالانتهاكات من كل صنف ولون، ونهجها هذا لصيق باحتلالها.
وفي هذا السياق يندرج هجومها الغادر أمس، وبقوة عسكرية كاسحة، على مقر المقاطعة الفلسطينية في أريحا واقتحامها الوحشي لمبنى السجن الكائن في داخلها، مع ما رافق ذلك من سقوط ضحايا وجرحى وتدمير كامل للمكان، واختطاف القيادي الفلسطيني أحمد سعدات ورفاقه عملية لها كل مواصفات العدوان السافر. ماركة إسرائيلية مسجلة بامتياز.
مع ذلك، وبالرغم من فظاعة الانتهاك الذي ارتكبته إلا أن ما حصل لم يكن خارج التوقع، ولا هو بالأمر الغريب. لكن الغريب والمستهجن كان في الملابسات التي أحاطت بالعدوان، والتي أخذت طابع التواطؤ الذي يبدو أنه رافقها، من جانب الأميركيين والبريطانيين.
وهاتان الدولتان تحديداً تتزعمان حملة دولية ضد حركة حماس وتطالبانها بالاعتراف بإسرائيل، فكيف يستقيم ذلك مع هذا التواطؤ الذي حدث أمس من جانبهما ضد الفلسطينيين؟ كيف يستقيم الضغط على حماس مع ارتكاب مثل هذا التواطؤ؟ ان ما حدث أمس يعني أن إسرائيل خططت ونفذت لهدم كل جسور التفاهم مع الفلسطينيين.
السجن الذي استهدفته الحملة يقيم فيه أحمد سعدات: الأمين العام للجبهة الشعبية، تحت حراسة فلسطينية ـ أميركية ـ بريطانية كان قد حصل ذلك بالاتفاق كحل تسوية، بدلاً من تسليم القائد الفلسطيني إلى إسرائيل.
بموجب هذا التدبير يبقى سعدات قيد الاعتقال وبضمانة أميركية ـ بريطانية تكفل عدم مغادرته المقاطعة وبذات الوقت تكفل عدم السماح لإسرائيل بالوصول إليه.
تذرعت إسرائيل أمس بأنها قامت بالهجوم لاسترداد سعدات خوفاً من أن تقوم حركة حماس المقبلة بإخلاء سبيله! الأدهى من ذلك وحسب التقارير كافة، ان العناصر البريطانية والأميركية المكلفة بحراسة السجن.
أبلغت السلطة الفلسطينية قبل دقائق من وقوع الاعتداء، بأنها في طريقها إلى مغادرة المكان! وهكذا في خلال لحظات تبخّرت الضمانات، وأغمض الضامنون أعينهم وكأنه لم يكن هناك لا التزامات ولا من يحزنون.
تواطأتا كالعادة، مع اسرائيل. ومع أن الاعتداء استمر على مدى ساعات طويلة، كانت كافية للاستدراك والردع، الا أن شيئاً من ذلك لم يحصل. فهل هناك وصف آخر غير التواطؤ ينطبق على مثل هذا التغاضي؟ المصادر الرسمية الأميركية زعمت ان انسحاب المراقبين والحراس من المقاطعة كان بدافع تأمين الحماية لهم! هل من عذر اقبح من هذا الذنب؟
المآخذ على السياسة الأميركية، تجاه القضية الفلسطينية كما تجاه المنطقة عموماً، كانت أنها منحازة تماماً لإسرائيل. الآن يبدو أنها لم تعد تكتفي بمثل هذه الدرجة من الانحياز.
طوّرت موقفها لتنتقل إلى مرتبة التواطؤ المكشوف. وإذا كان الأمر كذلك فمن بوسعه بعد اليوم أن يأخذ الضمانات الأميركية على محمل الجد؟
لإسرائيل، طبعاً، أغراضها، السياسية منها والخبيثة. فحكومة أولمرت على عتبة انتخابات. خبطة عدوانية من هذا النوع توظفها لتحسين رصيدها.
في الوقت نفسه تحاول من خلال عمليتها ارباك الوضع الفلسطيني واستفزازه لاستدراجه إلى ردّ يربك الساحة الفلسطينية. كل ذلك مفهوم ولا غرابة فيه، بالرغم من فجاجته ووحشيته.
لكن الغريب فعلاً هو أن يذهب التواطؤ إلى هذا الحد الفاضح في الوقت الذي يزعم فيه أصحابه حرصهم على السلام والسلم المزعومين، في فلسطين والمنطقة.
ولذا لم يعد لأي من الدولتين المتواطئتين وإسرائيل أي حق في مطالبة الفلسطينيين تحت قيادة حماس بالاعتراف بإسرائيل، أو إقامة أية تفاهمات سلمية معها. ان ماحدث أمس نسف كل هذه المعطيات.