في مطلع الشهر الماضي، أعلن الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود أثناء استقباله ضيوف مهرجان «الجنادرية» الواحد والعشرين رفضه لفكرة صدام الحضارات مؤكدا دعمه للتعايش السلمي البناء بين الحضارات وداعيا للحوار القائم على احترام كل طرف لمقدسات الطرف الآخر.
ولا يأتي إعلان الملك هنا منفردا، فلقد اعتدنا ومنذ فجر التسعينات على حوارات كثيرة تتناول مسألة صدام الحضارات التي أفرد لها بعض المفكرين مثل «صامويل هنتنغتون» الكتب والمحاضرات خاصة بعد أن أطلق المفكر «فوكوياما» نظرية نهاية التاريخ التي لقيت قبولا كبيرا في ظل انهيار المعسكر الشيوعي.
وسقوط أحد قطبي الصراع الثنائي الذي ساد العالم بعد الحرب العالمية الثانية، بحيث انقسمت كل بؤر الصراعات والحروب في العالم، إلى بؤرة شيوعية يسندها الاتحاد السوفييتي، وأخرى رأسمالية تمولها الولايات المتحدة!! الذين رفضوا فكرة أو نظرية صراع الحضارات أصبحوا الآن.
ولا شك أكثر يقينا وقناعة بمسوغات رفضهم الأولى، بالنسبة إلى هؤلاء فإن سقوط الاتحاد السوفييتي الذي كان يمثل النظام الديكتاتوري ذا المركزية المطلقة لم يؤد إلى رواج وسيادة النظام الخصم المتمثل في الولايات المتحدة.
وما يرمز إليه نظامها من أفكار ليبرالية وانفتاحية وما يروج له من نهج ديمقراطي حر، بدليل أن الأنظمة الاستبدادية والحكومات المركزية والديكتاتورية لم تفقد شيئا من قوتها وتوازنها ولم تتحول إلى أنظمة ديمقراطية.
ولم يتضاعف هامش الحريات في تلك الدول على الرغم من غياب القطب الذي كان يمثل الفكر الاستبدادي المغلق، وسقوطه أمام القطب حامل لواء الحرية والديمقراطية.
إن «صراع الحضارات» الذي لا ينقطع الحديث حوله، ما هو في الحقيقة سوى صراع شركات، وأموال، ومصالح، ومصانع، فهي حرب وصراع تجاري ومالي تعود معه الثنائية المتصارعة بثوب وشكل جديد بين شمال مرفه ومتخم بكل صنوف الرفاهية والعيش الرغيد، وجنوب جائع مريض وممزق تحت طائلة العوز والحاجة والبطالة.
الصراع الذي يحاول بعض المفكرين السياسيين تفسيره بكونه صراعا تقوده حضارة الإسلام في مواجهة المسيحية أو اليهودية، أو تحمل رايته حضارة الغرب في مقابل حضارة الشرق، ما هو سوى تنافس شرس على الأسواق والموارد، والموانئ والامتيازات والوكالات.
هو صراع قائم حتى داخل الحضارة الواحدة، فالشرق منقسم الآن بين تكتلين عملاقين يتصارع كل منهما على الحظوة والفرص الاقتصادية، اليابان والصين وكوريا الجنوبية من جهة، وماليزيا وسنغافورة وتايوان وأندونيسيا من جهة أخرى.
إن الحرب ضد «حضارة أخرى» ما هي سوى حرب ضد دولة متفوقة اقتصاديا، يشكل تفوقها خطرا على «حضارات» أخرى، والمخرج الوحيد يكون في تقييدها سياسيا أو فرض الحظر عليها لكبح جماح تفوقها الاقتصادي والمالي.
إن ضحايا حروب الشركات، هي حتما أكبر بكثير من ضحايا حروب الحضارات، فهي حروب لا تؤمن إلا بسطوة المال ونفوذه، تقودها شركات عملاقة متعددة الجنسيات حلت محل الدول، وطال نفوذها مؤسسات دولية كالأمم المتحدة وغيرها.