صحيفة «خرطوم مونيتر» الناطقة بالإنجليزية والتي يترأس تحريرها الأستاذ الفريد تعبان، ليست من المعجبين بالمؤتمر الوطني ولا بحكومته السابقة (الإنقاذ) ولها حق في ذلك، فقد ذاقت الإيقاف المتكرر من نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة في عهد مولانا محمد فريد (غفر الله له) وأخيرا سحبت رخصتها بقرار من المحكمة المختصة بالتعامل مع تلك النيابة.

كان قسم الإعلام في جهاز الأمن في ذلك الوقت يعاني من انعدام الرؤية السياسية ويصر على تطبيق شروطه الشمولية على الصحف بالرغم من توقيع اتفاقية السلام الشامل.

وهبوب رياح التعددية والحرية، ولم يشفع لها أنها الجريدة الجنوبية الوحيدة في الخرطوم وأنها ناطقة بالانجليزية مما يجعلها محدودة التأثير على الرأي العام الشمالي الذي أراد جهاز الأمن أن يشكله وفق رؤية أحادية.

وتدخل رئيس الجمهورية شخصيا ليعفي الصحيفة من تلك العقوبة غير المبررة بعد أن تلقى استعطافا من رئيس تحريرها.وأصبحت صحيفة «خرطوم مونيتر» بعد صياغة الدستور الانتقالي وتكوين حكومة الوحدة الوطنية من المدافعين الأشداء عن انفصال الجنوب لأن «العدو» الشمالي ما زال سادرا في انكار حق الجنوبيين في مواطنة كاملة الحقوق.

ولكن الصحيفة خرجت عن مألوفها في يوم الاثنين الماضي (6/3/2006) في كلمة تحرير جريئة بعنوان: هل كانت زلة لسان؟ ومحتوى الكلمة يقول بأنها لم تكن كذلك.

جاء في تلك الكلمة: وأخيرا ظهر أن ما بدا وكأنه خلاف خطير مجرد زوبعة في فنجان، لقد انقشعت العاصفة التي أثارتها قيادة الحركة الشعبية بدعواها عن عدم وفاء المؤتمر الوطني بتحويل استحقاقات حكومة الجنوب من عائدات البترول، الأمر الذي أدهش أهل السودان والعالم.

ومن السخرية أن يظهر على شاشة التلفاز بعد تلك العاصفة متحدثان باسم المؤتمر الوطني والحركة الشعبية ليؤكدا للجمهور بأن حكومة الجنوب تلقت استحقاقها كاملا من عائدات النفط حسب النسب المتفق عليها.

ويبدو هذا حسنا بالنسبة لحسابات الأرقام، ولكن ما لا يبدو حسنا أو معقولا هو التصريحات الإعلامية المتوالية التي أطلقتها قيادات الحركة الشعبية متهمة المؤتمر الوطني بأنه أخل بتنفيذ بنود اتفاقية السلام الشامل فيما يتعلق ببروتوكول اقتسام الثروة.

ومن تلك التصريحات قول النائب الأول لرئيس الجمهورية سلفاكير بأن المؤتمر الوطني قصّر في التزاماته نحو إعطاء الجنوب ما يستحقه من دخل البترول.

.وكذلك وزيرة الطرق والاتصالات في حكومة الجنوب السيدة ربيكا التي جعلت اتهامات سلفاكير أنشودة تغنت بها في كل اجتماع ومظاهرة خاطبتها في الولايات المتحدة، وتبع ذلك آخرون من قيادات الحركة عبر العديد من المنابر السياسية.

وبما أن الحقيقة قد تجلت الآن للملأ، فإن الحركة الشعبية برهنت بوضوح أن عليها الكثير مما ينبغي أن تتعلمه في دنيا السياسة في حين ظهر المؤتمر الوطني كمؤسسة سياسة ماهرة. لقد وضح للجميع أن قائد الحركة الشعبية والنائب الأول لرئيس الجمهورية سلفاكير قد كذب على كل السودانيين والعالم عندما اتهم المؤتمر الوطني بأنه حرم الجنوب من نصيبه المستحق في البترول.

وكذلك المتحدثين باسم الحركة فقد نقلوا للعالم عبر تصريحاتهم الصحافية أن مدام ربيكا قرنق قد كذبت على جمهور الولايات المتحدة باتهامها أن قسمة عائدات النفط بين الجنوب والشمال لم تكن عادلة وفقا للاتفاقية.

وبكل هذه التصريحات غير المحسوبة فان صورة رجل الدولة ومصداقيته وحكمة القيادة التي من المفترض أن يتحلى بها النائب الأول لرئيس الجمهورية قد تضعضعت كثيرا، كما أن السيدة ربيكا ظهرت بأنها ليست جديرة بالثقة.

في عالم ديمقراطي حقيقي يتسم بالشفافية، تكون الحركة الشعبية مدينة بالاعتذار للمؤتمر الوطني بناءً على معلومات غير دقيقة أشاعوها عنه، بل من الأفضل أن يتقدموا باستقالاتهم جراء خداعهم للرأي العام المحلى والعالمي، وفى مجتمع عادل كان ينبغي أن يحدث ذلك عاجلا دون تأخير.

وبما أن الحركة الشعبية قد برأت الآن المؤتمر الوطني من اتهاماتها الباطلة، فان عليها أن تخبر أهل الجنوب أين وكيف صرفت الملايين من الدولارات التي استلمتها من الحكومة الفيدرالية. هناك حاجة لكشف الأمور بشفافية لأن الحالة في الجنوب تتحدث عن نفسها:

ليس هناك طرق جديدة تحت التشييد، ملايين النازحين واللاجئين ما زالوا مترقبين ينتظرون الترحيل إلى مواطنهم الأصلية، جنود الحركة الشعبية لم يتسلموا مرتباتهم، ليس هناك وظائف جديدة أنشئت للعائدين والعاطلين. إذن أين بالله ذهبت تلك الملايين من الدولارات أو في أي جحر تسربت؟

انتهت كلمة خرطوم مونيتر وهى لا تحتاج منى لتعليق سوى أنها كلمة جريئة منصفة لا يتوقعها المرء في السودان من خصم سياسي متمرس، ولكنها تدل على مصداقية ومهنية عالية.

وتساءلت بعد أن تكشفت الحقيقة لماذا سارع قادة الحركة الشعبية باتهام المؤتمر الوطني دون أن يتبينوا الحقيقة من زملائهم وزراء الدولة في وزارة الطاقة والمالية ونائب محافظ بنك السودان، ولم يكن ذلك بالأمر الصعب عليهم في يوم واحد. لست أظن أن ذلك حدث بسوء قصد، أو أن الذين أطلقوا تلك التصريحات كانوا يعرفون الحقيقة التي تجلت مؤخرا.

أحسب أنه داء السياسة السودانية القديم وهو أن تسارع بتصديق ما يقال ضد خصمك ولو كان من مصدر غير موثوق، وأن تدافع عن تقصيرك بتعليق الخطأ على آخرين.

وكانت الحركة في حاجة للدفاع عن نفسها أنها لم تفعل شيئا يذكر في الجنوب رغم مرور عام على سلطتها المطلقة هناك ولديها كل الأموال المتاحة من البترول ومعونات العالم الخارجي. ولكنه دفاع هش سرعان ما يتكشف للناس، ثم انه ينتمي لممارسات السودان القديم ولا يليق بحركة ثورية تدعو لسودان جديد وما زالت في شهر عرسها في السلطة!

ومن ناحية أخرى لماذا أخذت رئاسة الجمهورية كل هذا الوقت، منذ أن فاجأ سلفاكير قبل شهر وسائل الإعلام بمؤتمره الصحافي الذي أطلق فيه تلك الاتهامات، قبل أن تدعو بضعة وزراء لاجتماع يكشف الحقيقة حول قسمة عائدات النفط ويبدد الاتهامات؟

انها تؤكد تهمة تراخى الحركة في رئاسة الجمهورية لحسم القضايا مهما كانت مهمة وعاجلة وأن الأسبقيات عندها مختلطة أو مقلوبة!

كاتب سوداني