مع صدور هذا المقال يكون الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر أكمل جولته في دول مجلس التعاون، التي بدأها يوم السبت الماضي بزيارة هي الأولى له ـ كأمير ـ إلى الرياض ومنها إلى عواصم مجلس التعاون، وذلك انسجاماً مع العرف الذي صار قاعدة في أن تكون أول زيارات أمير الكويت في عهده الجديد إلى دول المجلس.

بدأ هذا النهج مع المرحوم الشيخ صباح السالم الذي تجول عام 1966 في منطقة الخليج، وأكد النهج نفسه الشيخ جابر الأحمد ـ رحمه الله، كما قام الشيخ سعد ـ عام 1970 بجولة في دول الخليج، ويجدد الآن الشيخ صباح هذه القاعدة الحسنة.

ويذهب الشيخ صباح حاملاً معه خزينة ثرية من العلاقات مع دول المجلس، ومعرفة متينة بأهلها، وتواصلاً تاريخياً تعمق منذ عام 1962 عندما أرسل أي المغفور له الشيخ راشد بن مكتوم حاكم دبي رسالة حملها السيد بدر الخالد ـ المشرف على مكتب المساعدات الدائمة لإمارات الخليج، بعد عودة البعثة من دراسة تمديد المياه في إمارات الخليج.

ومنذ ذلك التاريخ ارتبط الشيخ صباح بالمنطقة، بأهلها، وبمستقبلها، وبمسيرتها وبالإسهام الضخم في مشاريعها وفي المشاركة في تطورها السياسي والاجتماعي..

أذكر في عام 1963 قام الشيخ صباح بزيارة إلى دبي لافتتاح تلفزيون الكويت في دبي، وكنت ضمن الوفد، وشاهدت التفاعل العفوي والبناء مع أبناء المنطقة والتفهم الكامل لاحتياجاتها.

ويتواصل الشيخ صباح مع مشاهد الحياة السياسية وبشكل مؤثر في الرحلة التي بدأت من المساعي لتشكيل الاتحاد الفيدرالي، بعد قرار بريطانيا الانسحاب من المنطقة.

وكان الشيخ صباح يترأس الوفد الكويتي الذي غادر الكويت في 27 من يناير 1968 وعاد إليها في الثالث من فبراير بعد جولة مع حكام الإمارات لتأكيد عزم الكويت على تعميق الترابط والدعوة لتشكيل اتحاد يضم الجميع يحافظ على الأمن والاستقرار.

في عام 1980 وبمبادرة من الشيخ جابر ـ رحمه الله، تعاظمت الجهود لتشكيل مجلس التعاون، ودخل الشيخ صباح مهندساً وراعياً ومتابعاً، ومنذ عام 1981 شارك الشيخ صباح في مسيرة المجلس، وزيراً للخارجية لسنوات طويلة، ورئيس مجلس الوزراء بالنيابة لفترة طويلة ـ ويرعاه الآن أميراً، مع معرفة كاملة بكشف الحساب بالإنجازات والإخفاقات.

ويحمل معه ـ الأمير ـ أثقال هذه المعرفة، الإلمام بما يجب ان يكون وما هي التعقيدات التي تقف أمام ما يجب أن يكون، ويدرك أكثر المواقع التي لابد أن تتعاضد لكي يحصل الخليج على ما يجب أن يكون.

نقول جميعا بأن الإنجازات لا ترقى إلى التوقعات، ونعرف العقبات، والفرق بيننا ان الشيخ صباح هو المؤهل الذي يحمل معه التكليف التاريخي لتجاوز المعضلات، والتعامل مع العقبات، ولم يقصر الشيخ صباح في الفترة الماضية.

حيث تجول وتحدث ودافع واقترح، لكن اللحظة المناسبة لم تتوفر، ولعلها تتوفر الآن في هذه المرحلة التاريخية التي يقوم بها بناء على دعوة بليغة من الواجب الوطني ومن تقدير لمسؤولية المبادرة التي لا تذعن للإحباط ولا تستسلم للضجر، لأن المطلوب هو العبور من عنق الزجاجة التي وقف عندها انطلاق المجلس.

ونحن ندعو في هذا المقال ان تكون جولة الشيخ صباح الأحمد رحلة خير، مع الأمل بما يلي:

أولاً: من حق الشيخ صباح في هذه الجولة ان ترافق جهوده دعم شعبي وإعلامي ومباركة جماعية تتحرك لسد الغياب الإعلامي والشعبي، وتملأ الفراغ الذي خلف الجمود وسبب عدم التفاعل مع واقع المجلس.

منذ أيام تحدثت مع وفد أمني أجنبي من إحدى الدول الذي تجول في المنطقة حول قضايا الإرهاب، وأخبرني الوفد بأنه يجد التعاون الثنائي بينه وبين دول الخليج مثاليا لكنه لا يجد التنسيق والتعاون الجماعي بين دول المجلس.

ونحن نعرف المسببات التي ولدت تحفظات في التعاون الأمني والدفاعي وسمو الأمير يدرك المسببات ويملك آليات التأثير.

ثانياً: لا يستطيع أي طرف في مجلس التعاون تجاهل الأهمية الاستراتيجية التي وفرها المجلس لجميع الأعضاء، ولا يمكن لنا إغفال الدور العالمي المؤثر الذي يملكه المجلس في الدبلوماسية العالمية.

ولا يمكن لنا الدخول في جدل حول إيجابيات المجلس في تحقيق المتانة والمكانة والتأثير داخل الواقع العربي، واعتقد أن الأهمية المحورية للمنطقة جاءت من تعاضدها في إطار مجلس التعاون.

والمجلس عقد سياسي واجتماعي واستراتيجي وسيادي يحترم الخصائص لكنه يتمتع بحقوق جماعية على الدول ان تتكيف معها.

مجلس التعاون هو الصيغة المثالية لواقع الاستقلال في صيغة الاعتماد المتبادل، وهي الصيغة التي يريدها قائد كل دولة، يحافظ على سيادته فيها، وعلى مصالحه ضمن إطار المصالح المتبادلة والعلاقات المتشابكة التي يرسمها مجلس التعاون.

في عام 1956 وجدت فرنسا حلا في علاقاتها مع شمال إفريقيا، خاصة مع المغرب، ووقعت اتفاقاً مع المغرب ينهي الحماية الفرنسية ويضع قاعدة جديدة في العلاقات، هي قاعدة استقلال المغرب في إطار المصالح المتداخلة.

ونرى الآن مع العولمة وانحسار مفاهيم السيادة المطلقة، وتقارب الدول والشعوب بسبب الثورة التكنولوجية وتقارب المسافات، بينما يسيطر الجمود على مسيرة مجلس التعاون.

ثالثا: من المؤكد بأن غياب المنظمات الشعبية الحريصة على المجلس وعدم توفر قواعد فاعلة في المجتمع المدني الخليجي، وانعزال المجالس النيابية عن الاهتمام بما يدور داخل المجلس، وتغييب الرأي العام الخليجي عن الأوضاع بين دول المجلس، سمحت للسلبيات بالتعاظم ووفرت لها القدرة على تعطيل العمل الجماعي، وإعطاء الاهتمام للبعد الثنائي فقط.

ومع ان الشيخ صباح ذاهب إلى الدول الأعضاء حاملا رسالة الكويت في العلاقات الثنائية، فلا جدال بأنه سيؤكد على أن الثنائية تتقوى في إطار الانتساب الجماعي لعضوية المجلس.

ويتمتع الشيخ صباح بنصيب كبير من الإسهام في كل فصل من فصول حياة الخليج منذ بداية الستينات، سواء عبر جهود مكتب الكويت لتنمية دول الخليج، أو عبر دبلوماسية حل الأزمات بين إيران والبحرين، وبين إمارات الخليج، وبين دول المجلس نفسها، اكتسب الأمير الخبرة الواسعة فيها وتعرف على المكونات لمعالجتها.

ولذلك نقول بأن الأمير يحمل في جولته متاعب المعرفة التي صقلتها المعايشة لأكثر من خمسة عقود.

كاتب كويتي