من هو العدو الاستراتيجي الثابت من وجهة نظر قادة التمرد في إقليم دارفور السوداني؟
هل هو نظام «الانقاذ» الحاكم حالياً أم هم «العرب السودانيون»؟
قيادات «حركة تحرير السودان» و«حركة العدل والمساواة» ـ منظمتي التمرد الدارفوري ـ يحرصون قدر الإمكان على عدم الخوض في مثل هذا التساؤل. وعندما يضطرون للإشارة في بيان سياسي أو تصريح إعلامي إلى الجهة التي يعتبرونها عدوهم الاستراتيجي ترد أحياناً عبارة «المركز».
وليس من الصعب الاستنتاج أن الغموض الذي تنطوي عليه هذه العبارة متعمد حتى لا يقع قادة التمرد في حرج الإفصاح عن تسمية «الأغلبية العربية في السودان».
الإجابة الصريحة والأمينة عن التساؤل المطروح مطلوبة بإلحاح حتى نعرف باسم من على وجه التحديد والدقة يتفاوض ممثلو «تحرير السودان» و«العدل والمساواة» ولصالح من يتقدمون بمطالب تدخل في تصنيف اقتسام السلطة والثروة.
إن الوجود العربي في السودان يشمل إقليم دارفور نفسه، لدرجة أن الأغلبية السكانية في الإقليم، الذي يضم ستة ملايين نسمة، تتكون من قبائل الرزيقات والمعاليا والمسيرية وقسم من قومية البقارة وبني هلبة وبني جرار.. إلخ، وكلها قبائل عربية.
ومن دارفور يمتد الوجود العربي في إقليم كردفان، حيث تتكون الأغلبية الساحقة من قبائل الكبابيش والبديرية والبقارة ودار حامد والحمر والمسيرية والشنابلة.
ومن كردفان وإلى الشمال عبوراً بمنطقة الجزيرة، لا تكاد تجد أحداً لا ينتمي إلى الثقافة العربية.
إذن نعيد طرح السؤال:
باسم من تتفاوض منظمتا التمرد في العاصمة النيجيرية أبوجا؟
القيادات والكوادر السياسية والقتالية لكل من هاتين المنظمتين تنتمي إلى ما يطلق عليه قادة التمرد أنفسهم «القبائل ذات الجذور الإفريقية» كناية عن أنها لا علاقة لها بالقبائل «ذات الجذور العربية» التي تشاركها الإقامة في الإقليم بالأصالة والتاريخ.
من هنا نتساءل:
ماذا تستفيد القبائل العربية الدارفورية من العملية التفاوضية الجارية إذا انتهت هذه العملية إلى الاستجابة لمطالب قادة التمرد في مجالي السلطة والثروة؟
يبقى السؤال الأساسي: إذا كان قادة التمرد الدارفوري يستهدفون بالعداء الوجود العربي في الإقليم، فهل تعني عبارة «المركز» امتداد نطاق هذا العداء ليشمل الأغلبية العربية في السودان بأسره؟
نعم: لكن ما يثير الاستغراب أن قيادات الأحزاب الكبرى في الشمال العربي يتخذون مع ذلك موقف تأييد سياسي لمنظمتي التمرد الدارفوري.
ولا شك أن هؤلاء القادة قرروا هذا الموقف من منظور «التكتيك» المرحلي المؤقت في سياق معارضتهم لنظام «الإنقاذ» والسعي إلى إسقاطه.
إن التكتيك أسلوب مشروع في معترك الصراع، لكنه يصبح لعباً بالنار، حينما يتعلق الأمر بقضايا مصيرية.
ألا تتعظ هذه القيادات من تجربتها السالبة مع «الحركة الشعبية» الجنوبية التي استثمرت تحالف المعارضة الشمالية معها فصعدت على أكتافها لعقد تصالح مع النظام الحاكم أفرز صفقة سياسية على حساب الأحزاب الشمالية المعارضة بصفة خاصة؟
وفي كل الأحوال ألا ينبغي لقيادات الأحزاب الشمالية أن تتنبه إلى أن التيارات والمنظمات الجهوية تتنامى على حساب الرصيد الشعبي لهذه الأحزاب؟