لقد أحسن قادة العراق صنعا حتى الآن في تجنيب بلدهم الغرق في الحرب الأهلية رغم كل ما مر به الشعب العراقي من محن تستهدف كلها جره الى هذه الحرب الأهلية، وبخاصة حين طالب علماء الدين الشيعة بعدم الانتقام لتفجير مرقد الامامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء، لكن ما كادت المؤامرة تمر وتهدأ النفوس حتى امتدت يد الاثم لاثارة النعرة الطائفية من جديد بسلسلة التفجيرات التي وقعت في مدينة الصدر امس الاول.
ومرة اخرى أحسن الزعماء الدينيون حين اكدوا على ان مؤامرات جر العراقيين الى حرب طائفية لن تفلح، واتضح الحزم في مواجهة المؤامرة حين اصدر مقتدى الصدر أوامره الى أنصاره بعدم الرد على تفجيرات مدينة الصدر، هذا اليقين والحزم في اتخاذ المواقف ضد كل محاولة اثارة الفتنة والحرب الاهلية في العراق أدى ويؤدي الى حقن مزيد من الدماء حتى الآن.
وحتى حين تعلن بعض وسائل الاعلام عن تبني جهة معينة للتفجيرات يظل الحذر لازما من مغبة الوقوع في أتون التحريض وما دام فاعله مجهول الهوية فسيظل العراقيون اكثر حاجة الى التلاحم حتى ينكشف وجه المتآمرين والذين يقفون وراء هذا المعين الذي لا ينضب من وسائل التفجير والقتل والدمار الذي لا تقوى على توفيره جماعات معزولة ومشتتة بل هي خطط مدعومة جيدا من جانب قوى كبرى تتربص بشعب العراق وأمنه وثرواته، وهو ما يعزز الحاجة الى مزيد من التماسك في صفوف العراقيين حتى تنجلي هذه الغمة.
ومن الواضح ان أزمة العراق المعاصر تتشكل من خلال عنصرين أساسيين: الاول: هذه المساعي الحثيثة لبث الحرب الاهلية في اعطاف الشعب العراقي، والثاني وهو الأخطر والمغذى الحقيقي للمخاوف على مستقبل العراق هو الاستعصاء الحادث في سبيل تشكيل نظام سياسي متآلف ومتماسك حتى يستطيع وضع حد للذرائع التي يروج لها التحالف الاجنبي المحتل للعراق حاليا. ولعلنا لاحظنا كيف ان الخطاب السائد للدول الراعية للتحالف الاجنبي في العراق يقوم على أساس ان الوضع الامني والسياسي غير ملائم لانسحاب القوات الاجنبية، ولن تستطيع جهة أو تكتل في العراق ان يطلب انسحاب القوات الاجنبية ما لم يكن ذلك الطلب صادرا عن حكومة راسخة ومتماسكة.
اذا الاتفاق على حكومة ائتلاف وطني في العراق يشكل ضرورة للخروج من هذا المعترك.
وعلى أية حال سيبقى البطل الحقيقي في هذه الحرب الكريهة هو الشعب العراقي نفسه بكل أطيافه السياسية وانتماءاته المذهبية، فرغم كل الضغوط النفسية والمخاوف من الحاضر والمستقبل الا ان العراقيين نجحوا حتى هذه اللحظة في تجنب الانجرار الى أتون الحرب الاهلية، فقد ازدادوا يقينا بفعل التجربة المأساوية التي عايشوها في ظل الاحتلال ان القوات الاجنبية لم تأت لتصنع مستقبلا زاهرا للشعب العراقي كما ادعت وانما جاءت طمعا في ثرواته، ورأت في اثارة الحرب الاهلية مبررا للاستمرار في الضغط على مشاعر العراقيين وتخويفهم من بعضهم البعض، وها هي الوقائع على الارض تدعو العراقيين الى مزيد من التيقظ والى الاعتصام بالوحدة الوطنية بين كافة الطوائف كما تدعو قياداتهم الى الاحتكام الى الحلول الوسط واقتسام السلطة بشكل ديمقراطي وعادل حتى يصل الشعب العراقي بدولته وابنائه وثرواته الى بر الامان.