لم تظهر صفقة بيع شركة الموانئ البريطانية »بي اند او« فجأة، فهي مطروحة منذ عدة أشهر، ليس سرا، وليس من خلف الكواليس، أو من تحت الطاولة كما يحدث في الصفقات المشبوهة، بل كانت علنية وواضحة ونالت اهتمام شركات إدارة الموانئ في العالم.
ولم يظهر أسم هيئة موانئ دبي فجأة، لم يكن خافيا على أحد أن موانئ دبي أبدت اهتمامها بشراء الشركة البريطانية، وإنها بدأت التفاوض قبل عدة أشهر. والعالم كله كان يتابع التفاصيل، فهي من أكبر الصفقات وأكثرها قيمة واهتماما، ولا أظن أن نواب الولايات المتحدة الأميركية كانوا نائمين، ولا نظنهم لا يقرأون اللغة الانجليزية التي تكتب بهم صحفهم.
وتتحدث بها وسائل إعلامهم الأخرى، وخاصة بعد ان دخلت شركة الموانئ السنغافورية على الخط، وبدأ التنافس يستعر، هذا يقدم عرضا فتقبله الشركة البريطانية، وذاك يقدم عرضا آخر خلال المهلة القانونية، والمساهمون يدرسون أفضل الخيارات.
ولم تلفت تلك الأخبار التي شغلت العالم من شرقه إلى غربه صحيفة أميركية واحدة، لم تتحدث أي منها عن مصير الموانئ الأميركية الكبيرة التي تديرها الشركة البريطانية، والتي ستكون بطبيعة الحال ضمن الصفقة، ومن سيستحوذ على «بي اند أو» سيستحوذ على تلك الموانئ، لم يقل أحد منهم كلمة واحدة.
وارتفع سعر سهم الشركة بعد أن زاد التنافس، واستمرت عملية تقديم العروض والعروض المضادة حتى تضاعف السهم ووصل إلى سعر ما كان يحلم به أكبر مساهم في الشركة البريطانية، ولم يكن خافيا أن «موانئ دبي» كانت الأكثر رغبة في شراء الشركة وتوسيع مجال عملها.
ولم يقل أحد من الأميركان كلمة فيها شبهة الاعتراض، بل على العكس، فقد عرض الأمر على الإدارة الأميركية بأجهزتها المختصة ووافقت عليها، وبناء على موافقتها أنجزت كل التفاصيل اللاحقة مثل التوقيع وإجراءات الدفع ومراحل الاستلام والتسليم.
وبعد ذلك، وفجأة، صحا المارد الأميركي، بإعلامه ونوابه، ومشرعيه الماليين والقانونيين، ودقت الطبول، وظهر »النفاق السياسي« بأبشع صوره، وتلاعبت الأطراف بالمقدرات، هذا يؤيد والأخر يرفض، والثالث يساند، والرابع يقسم بأغلظ الإيمان إن الصفقة لن تمر، مجلس النواب يتحفظ وأعضاء الكونجرس يفكرون، ومسؤول يطمئن.
ومسؤول آخر يشكك، وكأننا في «فيلم» انتجته استوديوهات هوليوود، فنحن نرى الحدث بعيدا عن الخفايا والاسرار في انتظار البطل الذي سيكشف اللعبة بعد أن يجمع الخيوط بعضها ببعض، لتظهر الأدوار المفصلة لكل طرف ضمن تقسيمة مصالح وغايات وأهداف.
myousef@albayan.ae