الناصرة مدينة فلسطينية في الجليل وموطن العذراء مريم وإليها ينسب المسيح وأتباعه النصارى. لكن كل عراقة التاريخ هذه وكل تلك القداسة لم تشفع للمدينة الصامدة عند غلاة المتطرفين من الصهاينة الذين يديرون دفة الحكم في الدولة العبرية المارقة، فأرسلوا حفنة قذرة من «المختلين عقلياً» ليعيثوا خراباً في كنيسة البشارة الواقعة وسط المدينة التاريخية الجليلة.

وذلك تعبيراً عن ما تختزنه صدورهم من مشاعر حقد وازدراء لكل ما هو غير يهودي وانعكاساً لموجة جديدة متجددة من العنصرية والتفكير العنصري تجاه السكان الأصليين في فلسطين.

بينما كانت المدينة الشامخة تتلقى هذه الضربة العنصرية الحاقدة، التي تندرج في إطار مخطط أشمل متواصل منذ احتلال فلسطين عام 1948 ضد كل المقدسات الدينية مسيحية وإسلامية على حد سواء.

كانت ثلة من شبانها المبدعين يتصدون لهجمة أخرى لا تقل شراسة عن الأولى وإن اختلف الأسلوب والأداة هذه المرة وحتى لو كان ميدان المعركة يتخطى حدود فلسطين ويبتعد عن الأطر التقليدية للنزاع.

فلقد جندت الحركة الصهيونية على امتداد العالم طاقاتها وطاقات كل من لف لفيفها من أجل محاربة الفيلم الفلسطيني «الجنة الآن»، الذي أخرجه الناصري هاني أسعد وشارك في إعداده وتمثيله مجموعة من الشبان غالبيتهم من مدينة الناصرة أيضا.

بهذه الصورة، يكتمل المشهد الصهيوني الذي يحاول منذ أكثر من قرن من الزمان طمس معالم الواقع الجغرافي والسكاني والتاريخي على أرض فلسطين السليبة وذلك عن طريق القتل والتهجير واغتصاب الأرض من ناحية، وشن حملة دعائية على الصعيد العالمي تهيئ الأرضية الفكرية اللازمة لتثبيت مشروع الكيان الصهيوني من الناحية الأخرى.

ومن المؤسف حقاً أن أحداً لا يستطيع التشكيك بعظمة ما حققته قيادة هذا المشروع ممثلة بالحركة الصهيونية من انجازات هائلة على جميع الأصعدة، لا بل أن تلك الانجازات قد فاقت توقعات وآمال أصحابها. فلقد باتت دولة «إسرائيل» واقعاً ملموساً لا يحق لأحد التشكيك أو الشك في حقها في الوجود والعيش الكريم.

وفي المقابل بات الحق الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشريف بعيدا كل البعد عن الواقع.

« الجنة الآن» يجسد بتداعياته السياسية والفكرية وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي كل عناصر المشهد الخاص بالنزاع العربي- الصهيوني، لا بل إنه يبين مكامن الخلل التي أدت بنا وما زالت إلى كل ما نتعرض له من هزيمة وإحباط ويأس، فبينما تمكنت الحملة الصهيونية من جمع حوالي 40 ألف توقيع على التماس يعارض ترشيحه لنيل جائزة أوسكار.

لم يتمكن الجانب الفلسطيني والعربي المؤيد للفيلم معا من جمع أكثر من ألف توقيع فقط لصالح الفيلم، الذي لا يعدو كونه صرخة ألم نابعة من قلب فلسطيني تغص حياته وتاريخه بكل أوجه المعاناة والإذلال والقهر والخذلان وكل ما يصبو إليه لا يخرج عن إطار محاولة التصدي لعملية إلغاء وجوده على الخارطة البشرية.

صحيح أن الطامة الكبرى قد تتجسد في أن الاعتداء على كنيسة البشارة ومحاربة فيلم « الجنة الآن» لا يمثلان ـ في أحسن الأحوال ـ سوى المركز الظاهري من سطح الزلزال المجلجل ، الذي يعصف بين جنبات الكيان الصهيوني ومجتمعه الذاهب إلى أقصى حدود اليمين المتطرف، لكن الطامة الأكبر هي ألا نراه على حقيقته وبشكل واضح، ذلك أن غالبية الذين انتقدوا العمل السينمائي وحاربوه على الأرجح لم يشاهدوه .

لأنه لم يعرض حتى الآن بنسخته التجارية، الأمر الذي يمثل بدوره استعارة بليغة لواقع القضية الفلسطينية برمتها، فغالبية الذين يتضامنون مع الحركة الصهيونية ولا يعترفون بحقوق الشعب الفلسطيني حول العالم هم من الذين لا يدركون عم يتكلمون، لا بل انهم لا يعرفون أين تقع فلسطين وأين تقع «إسرائيل» ،كما لا يدركون حدود الفصل أو الجمع بين هذه أو تلك.

ولذلك يقول مخرج «الجنة الآن»:« ليس لدي هاجس تغيير الغرب أو عمل فيلم للغرب وكل ما أسعى إليه هو ايجاد حالة من الجدل، منطلقها السينما الفلسطينية».

ولا ندري مدى صحة القول إن ما ذهب إليه هاني أبو أسعد والواقع الذي نعيشه في الشرق الأوسط يؤديان بنا إلى مقولة أخرى إن صحت فعلى الدنيا السلام ومفادها ان الغرب غرب والشرق شرق ولن يلتقيان أبداً.

bassil@albayan.ae