مع اقتراب استحقاق الانتخابات البرلمانية للكنيست السابعة عشرة في الدولة العبرية الإسرائيلية، ومع مغادرة شارون الساحة السياسية، ينتظر الدولة العبرية تبدل أجيال في القيادة، بعد خمس سنوات تحت قيادة أرييل شارون.

وهو استقرار تعود عليه الجمهور اليهودي على أرض فلسطين في السنوات الأخيرة، وأراد الحفاظ عليه لولاية أخرى، بحسب جميع استطلاعات الرأي. من الواضح ان ما كان ليس هو ما سيكون.

فالحياة السياسية من دون أرييل شارون تصبح مختلفة كلياً داخل أوساط «اليمين ويمين الوسط» في إسرائيل، خصوصاً مع تبلور اصطفافات جديدة على أبواب الانتخابات الإسرائيلية للكنيست السابعة عشرة القادمة.

حيث سيقف الناخبون الإسرائيليون، أمام أسئلة صعبة لا تحصى، كذلك الأمر بالنسبة للسياسيين ولعدد لا يحصى من الأسماء التي لمعت وانضمت مؤخراً، إلى الجهاز السياسي والقيادي لحزب كاديما (إلى الأمام).

في هذا السياق، فان الشعب العربي الفلسطيني وفي ظل تعاظم كفاحه التحرري المشروع، ومشواره المليء بالتضحيات والدماء والدموع، استطاع أن يقلم أظافر أرييل شارون.

وأن يفرض عليه وعلى النخب الإسرائيلية مراجعة نفسها بعد عقود من نكبة 1948، فقد تنازلت النخب السياسية الإسرائيلية من أقصاها إلى أقصاها عن «حلم أرض إسرائيل الكاملة» لصالح الفعل الكفاحي الفلسطيني والمعادل الموضوعي المسنود بالواقع الديمغرافي الزاحف منذ عقود على أرض فلسطين التاريخية.

وعليه تبلور مشروع ما يسمى بـ «حل الدولتين» على أساس الواقع الديمغرافي الراهن، ومن هذا المنطلق بلورت النواة المسؤولة عن حزب كاديما مؤخراً، ومن وجهة نظرها حدود الحل النهائي مع الفلسطينيين مع وجود الجدار الفاصل.

وهو الجدار الذي وضع لبناته الأولى أرييل شارون، وضم جزءاً من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 الواقعة قرب خط التماس بذرائع أمنية، فتحول الجدار في وعي الجمهور الإسرائيلي إلى خط حدود مستقبلي لدولة إسرائيل مع الدولة الفلسطينية القادمة.

والدولة الفلسطينية في الشطر الشرقي يتم فيها التغلب على عقبة التواصل الجغرافي بين القطاع والضفة الغربية من خلال استعارة النموذج المنقرض من جنوب إفريقيا (البانتوستانات / الأبارتهايد) والتواصل على مستوى المواصلات.

وعليه، فان الفرقعة السياسية التي أحدثها أيهود أولمرت وريث شارون في موقعه القيادي في كاديما، توجت بالإعلان عن الخطوط العامة للبرنامج السياسي لحزب كاديما، خصوصاً في تحديد الحدود الدائمة لإسرائيل. فدولة إسرائيل في الحدود الدائمة حسب كديما «ستضم القدس الكاملة والكتل الاستيطانية الكبرى في : ارييل، غوش عصيون ومعاليه ادوميم».

وحزب كديما الذي يتشكل في معظمه من منسحبي الليكود، يقر بالواقع الديمغرافي على أرض فلسطين التاريخية، وعليه فان برنامجه يقر بأن ثمة حاجة إلى «الحسم بين الرغبة في السماح لكل يهودي بالسكن في كل أرجاء أرض إسرائيل.

وبين وجود دولة إسرائيل كوطن قومي يهودي، يستوجب التنازل عن جزء من أرض إسرائيل». ومع ذلك فان البرنامج يشدد على أنه « في أثناء البحث في الحدود الدائمة ستحتفظ إسرائيل في نطاقها بالمناطق الأمنية الحيوية، القدس موحدة». ويرفض كاديما رفضاً قاطعاً عودة أي لاجئ فلسطيني.

وبالمحصلة، إن الخطوط العريضة لحزب كاديما الجديد وظروف ولادته، وتكوينه الجديد يشكل هبوطاً واضحاً حتى عن برنامج الليكود ذاته. فغاب التصور السياسي للتسوية في الخطوط العريضة لإعلان الحزب.

وحل مكانه «ثوابت صهيونية بامتياز» وعناوين جامعة لأقطاب وشخصيات مغرقة في صهيونيتها وأيديولوجيتها، والتي تقوم على رفض حق العودة الفلسطيني، ورفض المساس بـ «يهودية وصهيونية» المدينة المقدسة في إطار «القدس الكبرى».

أما مسألة الدولة الفلسطينية فقد تم الإشارة إليها بشكل ملتو، حيث الدولة الفلسطينية الممكنة تقوم فقط فوق المناطق أ، ب التي تساوي مساحتها 48% من مساحة الضفة الغربية دون القدس الكبرى و60% من مساحة قطاع غزة.

بينما تتكرس حالة جدار الفصل العنصري بحيث يقضم مساحات من أراضي الضفة الغربية، لتشمل ضمان إقامة 80% من المستوطنين في الضفة الغربية (إضافة إلى سكان الأحياء اليهودية في شرقي القدس).

ناهيك عن ما ورد من إشارات ضبابية بشأن « خارطة الطريق الأميركية» ـ بكل سلبياتها من الوجهة العربية والفلسطينية ـ التي قدم عليها شارون (14) تعديل إبان طرحها عام 2003 من قبل الإدارة الأميركية.

وفق الرؤية اياها، التي نطقت بها النخب الإسرائيلية الصهيونية الملتفة حول الحزب الأكبر في إسرائيل، نستطيع أن نتلمس فحوى الخط البرنامجي السياسي الجديد لحزب (كاديما) وهو الخط الذي بلوره رمز التطرف أرييل شارون وشريكه شمعون بيريس.

ختاماً، وأمام نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي أجمع العالم بأسره على نظافتها ونزاهتها، وأمام التطورات المستقبلية في ظل تواصل الانتفاضة ونهوض المشروع الوطني الفلسطيني من جانب .

وتفاقم العجز السياسي الاسرائيلي عن تقديم الأجوبة لقضايا المرحلة الجديدة بصدد تسوية الشرعية الدولية، فان الضباب مازال يلف التحالفات السياسية بين مختلف المكونات السياسية والحزبية في إسرائيل، وكل هذا لا يبشر إلا باستمرار دوامة العنف داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي عموم الشرق الأوسط.

كاتب فلسطيني ـ دمشق