في زمنٍ أصبح فيه العرب يعيشون على هامش المجتمع الدولي، مع انهم اقتصادياً يعتبرون من الدول الغنية بما يمتلكون من ثروات طبيعية كالنفط والغاز اللذين تتهافت عليهما الدول الكبرى، ومصادر زراعية وسياحية.

وهذه أهم معايير الغنى في الدول والمجتمعات. مع ذلك فإن الدول العربية فشلت في استثمار واستغلال مصادرها هذه، وتنمية أموالها المتكدسة في الخارج في مشاريع اقتصادية تستقوي بها سياسياً وتعزز مكانتها ومكانة شعوبها داخلياً وخارجياً.

لكن مع الأسف مازالت المؤسسات العربية في الخارج تدار بواسطة شركات وبنوك أجنبية، فالعرب لم يشكلوا ولو مرة واحدة قوة اقتصادية وسياسة موحدة، اللهم الاَّ بعض الافراد الذين حاولوا ونجحوا باجتهادات شخصية. فهل السبب هو ان الإدارة العربية إلى الآن غير مؤهلة للمنافسة ولا تستطيع مسايرة العالم المتحضر؟!

ألم يحن الوقت ليستفيد العرب من نظام العولمة والانطلاق حسب متطلباتها؟! ان لم يكن في استطاعة الدول العربية مجتمعة انشاء شركة ضخمة للانخراط في مشاريع وصفقات عالمية، ألم يكن في استطاعة الدول المقتدرة منها القيام بذلك بدلا من إيداع اموالها في بنوك أجنبية مقابل أرباح لا تسمن ولا تغني وتستفيد منها الدول الغربية وتتصرف بها كيفما تشاء!

كان لابد من هذه المقدمة للدخول في الموضوع الذي شغل الرأي العام الأميركي والعربي مؤخراً، وهو إدارة شركة موانئ دبي العالمية لستة موانئ في الولايات المتحدة الأميركية.

وتعتبر هذه الصفقة تاريخية، وأكبر مما يتصوره البعض، فلأول مرة ستدير مؤسسة عربية إماراتية موانئ أكبر دولة في العالم، ويكفينا نحن أبناء الإمارات ان نعتز ونفتخر بهذا الإنجاز الذي يعد الأول من نوعه، مهما كانت الاعتراضات والبلبلة التي أثيرت حوله وحالت دون المضي به قدماً.

اما بالنسبة للعرب فلقد حان الوقت للاقتداء بمثل هذه الخطوة وتوحيد الجهود في مجال الاقتصاد والاستثمار على الأقل، وإنشاء شركة عالمية قوية لتكون بداية لإنجازات مستقبلية وحافزاً للمنافسة. لم لا؟ فالعرب يمتلكون خبراء وعقولاً وكفاءات علمية واقتصادية وتجارية لم تحصل على فرصة في أوطانها، فاصبح نجاحها ينسب لدول أخرى بحكم امتلاكها جنسيات أجنبية.

اما بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية فالمتابع لهذه الصفقة منذ بدايتها يرى ويقرأ العجب عبر وسائل الإعلام، حيث انقسمت الآراء إلى مؤيد ومعارض، وكان من بين المعارضين أعضاء في الكونغرس الأميركي لاسباب غير منطقية وغير مبررة إلا أنها زادت من شهرة دبي والإمارات.

وجاء الرد على هؤلاء سريعاً ومن أكبر مسؤول في الولايات المتحدة الرئيس جورج بوش الذي أكد على دعمه لهذه الصفقة، وهدد باستخدام حق الفيتو لإلغاء أي تشريع يمنعها.

وهذا يحدث لأول مرة من قبل الرئيس بوش خلال سنوات حكمه، لأنه على يقين بان شركة موانئ دبي العالمية لها القدرة والكفاءة لتنفيذ الصفقة بكل حذافيرها.

إن إدارة موانئ أميركية بواسطة مؤسسات أجنبية ليس بجديد على أميركا، فالكل يعلم ان عدداً منها يدار بواسطة شركات أجنبية منذ مدة، لكن الضجة واعتراض البعض هذه المرة، سببهما الحساسية المفرطة من العرب المنتشرة في أميركا منذ 11-9-2001.

اذ كيف يمكن لمؤسسة عربية إدارة موانئ أميركية، بالرغم من ان شركة موانئ دبي العالمية تمتلك شركة بي اند او البريطانية المعروفة في أوروبا وأميركا.

إلا ان اعتراض هؤلاء غير واقعي فمنهم من اثار مسألة الأمن وكيف يمكن الوثوق بالعرب وتسليمهم إدارة موانئ أميركية، ومنهم من شكك في القدرات العربية، لكن منهم أيضاً من دافع عن الصفقة وأكد كفاءة شركة موانئ دبي العالمية والتزامها بكافة معايير الإدارة الناجحة لأن امن الموانئ من اختصاص السلطات الأميركية.

ان ما جرى تداوله في أميركا حول هذه الصفقة أمر طبيعي ويدخل ضمن حريات الرأي والمنافسة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وان كانت بعض الآراء جعلت منها قضية لا وجود لها أصلاً. مع ذلك مهما كانت النتائج فان هذا يعتبر نجاحاً وإنجازاً للإمارات والعرب.