شلال الدم في العراق يتدفق بغزارة، هذه الأيام صحيح أنه غير طاريء ومتواصل منذ سقوط بغداد تحت نير الاحتلال، قبل ثلاث سنوات، لكن المخيف حقاً أن منسوبه الى ارتفاع خطير، والأخطر ان روافده تكاد تكون بكاملها محلية ومسفوكة بأيدي عراقية، وهنا يكمن التهديد القاتل لهذا البلد، المكتوي بأكثر من نار لا ترحم.
ومن هنا تزايد التحذيرات والإشارات، في الآونة الأخيرة، بخصوص الحرب الأهلية واحتمالات اندفاع العراق نحو الوقوع بين أشداقها، فما يحصل على أرضه يومياً تجاوز أعمال العنف وانفلات الأمن، وغير ذلك من التوصيفات والتعبيرات المتداولة.
في السنوات الأخيرة، لقد صار بحجم محرقة بشرية. ذلك أن الموت العشوائي بالجملة الذي يحصد المئات من القتلى والجرحى، بات بمثابة الطبق اليومي للعراقيين، فإلى متى وإلى أين؟
آخر حصاد الموت هذا، أمس الأول، بلغ أكثر من ستين قتيلاً ومئات الجرحى، ولا يمر يوم إلا وتكون حصيلة المجزرة المتوالية بالعشرات، الأدوات صارت أشد فتكاً، والأمكنة المستهدفة هي التي يحتشد فيها أكبر عدد من الناس.
ولحظة التفجير تكون في فترة الإزدحام، الغاية المباشرة، ان تكون وليمة اللحم البشري المتفحم أكبر وأقسى. ويبدو من الحرص على توفير كل هذه الشروط في الملحمة الدائرة فصولها، أن الهدف من ورائها ليس أقل من إغراق البلاد في أتون صراع لا ينتهي، عن طريق إدخالها في دوامة ثأرية مغلقة.
والأدهى ان محاولات الاستدراك مازالت، في أحسن أحوالها، تدور في فلك المناشدات والتأكيد على وجود نبذ الفتنة! في حين ان أنياب هذه الأخيرة تغور شيئاً فشيئاً في الجسد العراقي النحيل، فالأزمة الحكومية التي يوفر تجاوزها المدخل الفعّال ـ أو هكذا يفترض ـ لوقف هذا التدهور المريع، آخذة في التصعيد والتعقيد، بدلاً من أن يكون العكس هو مسارها.
المنطقي والعقلاني ان وضعاً منفلتاً وبصورة جنونية كالوضع العراقي الراهن يفرض حصول مرونة من شأنها ان تخفف من وطأة الخلافات السياسية وصراعات الخصوم، وإلا قد لا يبقى ما يستحق الصراع حوله، الأمور في السياسة تحكمها الأولويات، خاصة في مرحلة تأسيسية كالتي يعيشها العراق.
التزحزح عن الشروط والشروط اليابسة، في عملية تشكيل الحكومة الجديدة، لم يعد فقط مطلباً، بل صار ضرورة، ذلك أن ولادة حكومة وحدة وطنية ولو بالحد الأدنى، من شأنه إشاعة أجواء تساعد على تجفيف منابع هذا الشلال الأحمر، أو على الأقل تساعد على خفض تدفقه، تمهيداً لقطع مجراه.
الخطيئة الكبرى ان يستمر التعامل مع هذا النزف وكأنه صار «مسألة عادية» ليس فيها ما يدعو إلى الذعر، أو أنها سحابة عابرة وتنجلي، في حين انها تتفاقم في أبعادها وتداعياتها وأكلافها، كل المؤشرات والمعطيات تقول إنها تندرج في خانة المقدمات التي تسبق الإعصار المدمرّ.
وان التأخير والتأجيل في التصدي لهذه المحرقة محكوم بتأجيجها. فالماعون العراقي امتلأ، وقبل ان يفيض ما فيه إلى خارجه لابد من تطويق الفيضان ومحاصرته، قبل ان يجرف الأخضر واليابس.