عقلاء العالم، والأنصار الحقيقيون للسلام، هم الذين يطالبون بإخلاء العالم من السلاح النووي، عارفين أن هذا الخطر الفتاك لا يضر بالأمن الدولي فقط، وإنما يهدد حياة البشرية، ومستقبلها. وهؤلاء بالضبط هم الذين يطالبون إيران بالتجاوب مع الجهود الدولية لضمان سلمية برنامجها النووي، مع ضرورة إخضاع منشآت إسرائيل الغامضة للتفتيش الدولي، ، تمهيدا لإلزامها بالانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية إذا كانت تريد حقا العيش بسلام.

أما الذين يتبنون المعايير المزدوجة، فيركزون على برنامج إيران، ولا يتحدثون أبدا عن إسرائيل، بزعم أن هذه الأخيرة، تمتلك مؤهلات ديمقراطية، تضمن عدم استخدامها للسلاح النووي. وهؤلاء أيضا، هم الذين يقومون من وراء ظهر الأسرة الدولية، بجهود مكثفة لتطوير أسلحتهم النووية، لتكون أكثر قدرة على التدمير.

وفيما يجدد العقلاء إدانتهم لامتلاك السلاح النووي، وكذا انتشاره، نجد أن دولتين كبيرتين عالميا هما الولايات المتحدة وبريطانيا تقومان سرا بتطوير سلاح نووي جديد، رغم أن هاتين الدولتين بالذات هما اللتان رفعتا شعار مكافحة السلاح النووي عند غزو العراق، وهما أيضا اللتان تقودان الحملة الحالية ضد إيران.

ووفقا لما ذكرته صحيفة " صنداي تايمز" البريطانية نقلا عن مسؤول كبير فإن البحوث حول السلاح الجديد تجرى في مركز "مؤسسة الأسلحة النووية" في الدرماستون في بركشاير (جنوب بريطانيا)، بهدف التوصل إلى مواصفات أكثر تقدما من دراسات مماثلة أجريت في الوقت نفسه في الولايات المتحدة.

وما يلفت النظر، فيما قاله المسؤول البريطاني، هو أن أعمال صنع السلاح الجديد قد بدأت منذ إعادة انتخاب رئيس الوزراء توني بلير في مايو 2005، أي إنه تزامن مع التصعيد الغربي المتواصل ضد إيران، والذي وصل، بضغط أمريكي بريطاني مشترك إلى درجة إحالة الملف إلى مجلس الأمن، بغرض اتخاذ إجراءات عقابية، ما لم تمتثل طهران للإرادة الدولية.

لقد كانت ازدواجية المعايير التي رسختها القوى الكبرى على امتداد عقود طويلة، سببا رئيسا في العديد من مشاكل العالم، وعلى ما يبدو فإن هذه الازدواجية تتجه الآن إلى عالم الأفعال، بحيث يصبح فعل الأقوياء، شرعيا، فيما يكون الفعل نفسه (بل والأقل منه) مجرما، لمجرد أن القائم به أقل قوة.