الطلب الأميركي للحكومة الإسبانية تقديم توضيحات لأسباب زيارة وزير الخارجية ميغل انخيل موراتينوس لدمشق مؤخراً يطرح عشرات الأسئلة عن فظاظة التدخل الأميركي في شؤون الدول وخاصة الصغيرة منها وليس الكبيرة كإسبانيا العضو الفاعل في الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة التي قالت كلمتها ورفضت هذا التدخل السافر.. بل أكدت عزمها على الحوار مع سورية شاءت الإدارة الأميركية أم أبت.

الإدارة الأميركية الحالية تتعامل مع الدول الأخرى حتى الكبرى منها على أساس أنها تابعة ومجبرة على العمل وفق المشيئة الأميركية، وهي تستبعد من قواميسها السياسية معاني استقلال الآخرين، وسيادتهم الوطنية، وحرية اتخاذهم المواقف والقرارات المنسجمة مع مصالحهم، وهذا خطأ فادح، بل من أشد الأخطاء خطورة، وأكثرها تسبباً بالابتعاء عن الأميركيين، والتشاؤم من إدارتهم، ومما قد تقدم عليه بسبب افتقارها للموضوعية السياسية، وللقواعد الأخلاقية التي تحكم العلاقات بين الدول، كما هو متعارف عليه على مدى التاريخ. ‏

إسبانيا، كما أشرنا في البداية، دولة كبيرة وقوية وفاعلة أوروبياً وعالمياً، ولها تقاليدها السياسية العريقة غير القابلة للأخذ، بمعنى أنها لا تحتاج إلى هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك لتدافع عن مواقفها، ففيها ما يكفي ويزيد للقيام بهذه المهمة ليس إعلامياً فحسب بل سياسياً واقتصادياً أيضاً. ‏

المشكلة في الدول الصغيرة الواقعة تحت تأثير هذه التدخلات الأميركية المباشرة وغير المباشرة في شؤونها الداخلية، ولبنان انموذج في المنطقة العربية، إذا ما استبعد العراق لكونه يقع تحت الاحتلال العسكري المباشر. ‏

لبنان يعاني الآن من وطأة تدخل أميركي غير مسبوق في كل مؤسساته السياسية والأمنية والاقتصادية والروحية، فالسفير جيفري فيلتمان يتصرف في بيروت وكأنه مفوض سام، ويتنقل بين الوزارات والإدارات والبيوتات دون حساب أو رقيب، ويقول كلاماً لا يحق لسفير أن يقوله. ‏

ويصرّ على الرفع من شأن هذا والتقليل من شأن ذاك حسب المقاييس التي في رأسه، وهي مقاييس إسرائيلية مئة في المئة إذا ما أخذت في الحسبان الأوضاع اللبنانية بالنسبة إلى «إسرائيل». ‏

لبنان انموذج للإفساد والفوضى الخلاقة الأميركية، والشواهد أكثر من أن تحصى ويعرفها الجميع في لبنان وخارجه، خاصة أن الأدوات اللبنانية لهذا التدخل الأميركي لا تتوقف عن الزعيق ضد سورية والعروبة، ولا تتوانى عن فعل أي شيء من شأنه تفريق بين اللبنانيين، وقد فعلها ويفعلها كل يوم زعيم النعّاقين العائد من واشنطن. ‏