منذ طرح الإدارة الأميركية مشروع نشر الديمقراطية في البلدان العربية، في إطار مشروعها المتعلق بإعادة هيكلة «الشرق الأوسط»، بدا أن إسرائيل ليست متحمسة البتّة لمشروع كهذا، بل إنها أبدت اعتراضها عليه وتخوفها من تبعاته، على أمنها وعلى الاستقرار في المنطقة.
وكانت حجة إسرائيل في كل ذلك أن الأوضاع في البلدان العربية ليست ناضجة للتحول الديمقراطي، وأن الخلفية الثقافية والتركيبة الاجتماعية في هذه البلدان لا تتواءم مع الديمقراطية والحداثة.
وأن نتائج هذه الديمقراطية ستعود سلبا على سياسات ومصالح الولايات المتحدة الأميركية ومعها إسرائيل، بحكم المزاج المعادي لهما في الشارع العربي.
وفيما بعد دلّلت إسرائيل على صحة وجهة نظرها بنتائج الانتخابات الحاصلة في كل من مصر والعراق وفلسطين ولبنان، التي جاءت بالتيارات الإسلامية إلى مقاعد البرلمان وإلى سدّة السلطة.
وعلى أية حال فإن إسرائيل لم تخف على الإطلاق تبرمها من خطة نشر الديمقراطية، وهي عملت على تقويض القيادة الفلسطينية الشرعية، التي جاءت عبر صناديق الاقتراع، وبموجب انتخابات شفافة ونزيهة ومراقبة دولية.
حصل ذلك في المرة الأولى في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي اعتبرت أنه ليس ذي صلة، بعد رفضه التجاوب مع إملاءاتها في مفاوضات كامب ديفيد (2 يوليو 2000) والمرة الثانية بعد صعود حركة حماس في الانتخابات الأخيرة، والتي بدأت إسرائيل تعمل على مقاطعتها، بدعوى أنها ليست شريكة في السلام.
والثابت أن إسرائيل لم تكن يوما حريصة على تسيّد الديمقراطية في النظم السياسية للمنطقة العربية، بل إن طبيعة وجودها، بحد ذاته، كان أحد أهم أسباب غياب الديمقراطية، وانتشار التوترات وتفشّي روح العسكرة وسيادة الدولة الأمنية في هذه المنطقة.
وإسرائيل هذه بالذات تدرك أكثر من غيرها حقيقة أنها تستمد قدرا كبيرا من استقرارها وقوتها من هذا الخلل في النظام العربي، أي من الفجوة بين الحكومات والمجتمعات، وخصوصا من تدنّي قدرة المجتمعات العربية على تنظيم ذاتها والتعبير عن إرادتها واستنهاض قواها.
وتبيّن التجربة المعاشة أن إسرائيل كانت، على الدوام، أكثر ميلاً لمخاطبة الأنظمة السائدة وكسب ودها، على خلاف المزاعم الناجمة عن خطابها الديمقراطي المعلن، بدليل أنها عقدت معاهدات التسوية مع بعض الأنظمة، من دون أن تحظى هذه المعاهدات على شرعية شعبية.
وتتبدى المفارقة أيضا في واقع أن إسرائيل، التي تدّعي الديمقراطية، دأبت على حضّ الأنظمة التي أقامت معها معاهدات، أو علاقات ثنائية، للحد من الحريات، بمراقبة وسائل الإعلام وتقييد تحركات النقابات وقوى المجتمع المدني، لمجرد مناهضتها لإسرائيل؛ لدرجة أن الأمر وصل بها حد تحريض هذه الأنظمة للضغط على مواطنيها لإجبارهم على الانخراط في علاقات التطبيع معها!
يستنتج من ذلك أن إسرائيل، وبغض النظر عن ادعاءاتها الديمقراطية المراوغة، تعي تماما بأن تطبيع وجودها مع الواقع العربي يفترض منها الارتباط بالنظام العربي السائد، على رغم نواقصه الديمقراطية، لأن هذا النظام هو الذي جلب الاعتراف بها، وصدّ النزعات الشعبية المعارضة لها.
وقيد قدرة المجتمعات العربية على مواجهتها؛ في مرحلتي الحرب والسلم على السواء. إضافة إلى ذلك فإن إسرائيل تفضّل استمرار النظام السائد، لأنه يؤكد فرادتها، وادعاءاتها، ولأنها تغطي عبره سياستها العدوانية والاحتلالية والعنصرية في المنطقة.
لكن لا ينبغي أن يفهم من ذلك أن إسرائيل معادية على طول الخط للديمقراطية في المنطقة العربية، ذلك أن الديمقراطية العربية المتوخّاة إسرائيلياً، هي تلك الديمقراطية التي تخلق المناخ للاعتراف لإسرائيل بالوجود، وليس فقط بواقع وجودها!
وهي تلك الديمقراطية التي تسلم بتفوّق إسرائيل وفرادتها، والتي تبدو مطواعة أمام إملاءاتها وتروّج للتطبيع معها؛ على رغم كل الظلم والإجحاف الذي تلحقه بالفلسطينيين، وعلى رغم استمرار الاحتلال للأراضي العربية! وبالتأكيد فإن الديمقراطية التي تنشدها المجتمعات العربية، وتعمل عليها، تختلف عن ذلك كثيراً.
على أية حال فإنه يمكن اعتبار «الديمقراطية» مجرد أيقونة لسياسة إسرائيل الخارجية. فمنذ قيامها، على حساب نكبة الشعب الفلسطيني والأمة العربية، اعتبرت إسرائيل ذاتها واحة للديمقراطية والحداثة في الشرق الأوسط! سعيا منها للتغطية على واقعة الاغتصاب والعدوان، جرياً على عادة النظم الاستعمارية التقليدية.
وقد استمرأت إسرائيل هذا الادّعاء لتظهر صورتها أمام الرأي العام العالمي والغربي خصوصا، على شكل ضحيّة مسالمة يتربّص بها الأعداء الذين يريدون القضاء عليها بسبب من نظامها الديمقراطي هذا.
طبيعي أن إسرائيل لا تريد بهذا الادّعاء تجميل نفسها، بقدر ما تريد تأكيد استثنائيّتها، للتملّص من التزام المعايير الدولية، وتبرير احتلالها أراضي الغير وتغيير نمط حياتهم، وإيجاد حدود آمنة لها على حساب الدول الأخرى، والسعي لاحتكار التسلّح النووي، في هذه المنطقة!
وعندما وضعت إسرائيل وجهاً لوجه، في مطلع التسعينات، أمام استحقاقات عملية التسوية مع الفلسطينيين (والسوريين أيضا)، وجدت ضالتها للتملص من هذه العملية في أيقونة «الديمقراطية»، بدعوى أن التسوية لا تقوم إلا بين أنظمة ديمقراطية متماثلة!
هكذا، مثلا، فسّرت إسرائيل عدم تجاوبها مع المبادرة العربية للتسوية، التي أطلقتها قمة بيروت (مارس 2002)، بعدم ثقتها بالنظام العربي اللاديمقراطي! وقبل عامين فقط أكد فايسغلاف (مدير مكتب شارون وممثله لدى البيت الأبيض) أن إسرائيل لن تقدم على خطوة تسوية أخرى مع الفلسطينيين، بعد خطة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة، إلا بعد تحول الفلسطينيين إلى فنلنديين أو نرويجيين!
الواقع أن هذه الادّعاءات الإسرائيلية هي بمثابة محاولة لذرّ الرماد في العيون، وبقول آخر فهي مجرد امتداد لسياسة المراوغة التي اعتادت إسرائيل انتهاجها وتوظيفها، بحسب كل مرحلة وكل موقف، خدمة لمصالحها وسياساتها.
من ذلك يمكن الاستنتاج بأن إسرائيل لا تتعامل مع الديمقراطية، في العالم العربي، بوصفها قيمة عليا، بقدر ما تتعامل معها بشكل سياسي: انتقائي ووظيفي، على طريقة الدول الاستعمارية.
وهذا أمر طبيعي لأن إسرائيل، عدا عن كونها دولة استعمارية، هي أيضا دولة استيطانية عنصرية، حيث يضع مجتمع المستوطنين نفسه فوق مجتمع السكان الأصليين، الذين يُخرجون من دائرة المواطنة. وطبيعي، أيضا، أن القيم العنصرية تتناقض مع القيم الديمقراطية، وبالتالي مع المساواة والعدالة.
كاتب فلسطيني
