مر يوم المرأة العالمي سريعاً ـ 8 مارس من كل عام ـ وهو يوم أقره المجتمع الدولي تقديراً لمكانة المرأة، واعترافاً بدورها الحيوي في الأسرة وفي المجتمع وفي المناشط المجتمعية كافة، بل وفي صنع الحياة وجعلها أجمل وأبهى.
يأتي هذا اليوم من كل عام، كاعتذار بسيط من المجتمع الدولي عن تقصيره في الوفاء بحقوق المرأة، هذا الكائن الجميل الذي يضحي كثيراً ويتحمل كثيراً ويتسامح كثيراً ولكنه يعطي الكثير بالرغم من كل المعاناة والقسوة والجحود والنكران.
لقد احتفى العالم بيوم المرأة العالمي، وكذلك العالم العربي، ولكن شتان بينهما، احتفى العالم بيوم المرأة من أجل تحسين أوضاعها وتمكينها وتذليل المعوقات والعقبات في طريقها والقضاء على التمييز ضدها، ولكن العالم العربي احتفل بيوم المرأة وفق ثقافة تقليدية درج عليها عقوداً من السنين لا تضيف شيئاً إلى مكتسبات المرأة العربية.
العالم العربي احتفل بالمناسبة بطريقته الخاصة وطبقاً لمفاهيمه ونظرته إلى الآخر الغربي، لقد كان هاجس الآخر الغربي هو الحاكم لطريقة تفكيرنا بيوم المرأة، فتبارى المتحدثون.
ـ وعبر خطب حماسية وندوات جماهيرية ـ ليحدثوننا عن مكانة المرأة في الإسلام وعن حقوقها قبل (14) قرناً وقبل الحضارة الغربية التي لم تعط المرأة حقوقها السياسية إلا مؤخراً وكل ذلك في تجاهل تام لأوضاع المرأة العربية المتردية وفي تجاوز للتشريعات العربية التي تكرس التفرقة بين الجنسين في المجالات كافة.
قفز خطباؤنا إلى الماضي الزاهر وتجاوزوا الحاضر البائس ليبرروا تخلف وضعية المرأة العربية، وهي عملية مريحة للنفس ومقارنة خادعة للذات، تعفيها من المسؤولية وتقنعها بأن وضعها هي الأفضل ولكنها لا تضيف شيئاً إلى رصيد المرأة.
وفي إطار نشاط رابطة حقوق الإنسان بكلية القانون بجامعة قطر للاحتفال بالمناسبة، حضرت ندوة عن حقوق المرأة، وتوقعت أن يكون الحديث عن وضعية المرأة في التشريعات العربية، ولكن المحاضرين الفاضلين سرحا بعيداً وظنا أن واجبهما الدفاع عن الإسلام تجاه الهجمة الغربية بإعادة تأكيد ما قرره الإسلام للمرأة من حقوق لا تحظى بها المرأة الغربية!!
حسناً، هذه المقارنات الخادعة تريحنا ولكن ماذا عن وضعية المرأة في المجتمع والتشريع؟! وإلى متى يستمر المتحدثون أسرى هاجس الآخر التآمري؟! المنهج التبريري والخطاب الدفاعي لن يحسنا في وضع المرأة العربية مطلقاً ولكنهما يدغدغان العواطف الجماهيرية فحسب.
ما زالت المرأة العربية في التشريعات العربية (وبالرغم من انتشار التعليم والتثقيف) أسيرة النظرة الذكورية والثقافة التمييزية، وما زالت مكاسبها (وإن أصبحت وزيرة) هشة، معرضة للانتكاسة بإرادة الرجل وحده.
والعنف الموجه للمرأة في الساحة العربية في تصاعد، والتشريعات ليست حازمة، فهي إما أن تبرر هذا العنف بأنه نوع من التأديب الممنوح للزوج بحق القوامة أو تبرره بالدفاع عن الشرف أو تجعله جنحة خفيفة.
وفي المناصب القيادية تأتي المرأة العربية في آخر القائمة مقارنة بالقياديات في دول العالم، وما زال وجود المرأة العربية في البرلمان، هامشياً، معلقاً بإرادة الرجل، ولن تنجح المرأة العربية في أي انتخاب نزيه في الدول العربية.
وما زالت المرأة ممنوعة من القيادة في بعض الدول العربية، بل ومحرومة من إدارة أملاكها، ولا رأي لها في اختيار شريك حياتها (في دراسة ميدانية يمنية نشرتها السياسة الكويتية، أن 52% من الفتيات في اليمن يتم تزويجهن مبكراً تحت تبريرات الهروب من الفقر، الخوف من التمرد، وصوناً للعفاف ودرءاً للعنوسة) وما زالت المرأة غائبة عن الأمانة العامة لمجلس التعاون ولا توجد قاضية في دول مجلس التعاون الخليجي.
وبالرغم من انتشار التعليم وزيادة الوعي ومظاهر الحداثة وزيادة مشاركة المرأة لا يزال المجتمع العربي محكوماً بموروث ثقافي ينتقص من المرأة وينظر إليها كقاصر بحاجة إلى من يراقبها ويوجهها ويحميها.
ولقد عكست التشريعات العربية ـ وقد تمت بغيبة عن المرأة ـ هذا الإرث الثقافي التمييزي الذي يعلي من شأن الرجل وتسيّده وحقوقه وامتيازاته على حساب الأنثى، التي عليها القبول بالحقوق الأقل والواجبات الأكثر.
ولن يتسع المقام في هذه المقالة القصيرة لعرض أوجه المفارقة بين حق الرجل وحق المرأة في التشريعات العربية ولكننا نذكر بعضاً منها:
1 ـ حق نقل الجنسية: تشترك جميع قوانين الجنسية العربية (عدا دول قليلة) في ظاهرة تمييزية ظالمة ـ وذلك من بين كل تشريعات العالم ـ وهي أنه في الوقت الذي تمنح الرجل حق نقل جنسيته لأولاده وزوجته غير المواطنة، فإنها تحرم المواطنة من نقل جنسيتها إلى زوجها غير المواطن وأولادها.
2 ـ حق الطلاق والتعدد والخلع: تقدس التشريعات العربية حق الرجل في الطلاق، وتعطيه السلطة المطلقة في هدم بيته وتشريد أولاده، بمجرد كلمة ينطقها وقد لا يقصدها، فالطلاق واقع ـ هازلاً أو لاعباً أو جاهلاً أو ناسياً أو بدعياً محرماً أو معلقاً .
ـ وبالرغم من ارتفاع معدل الطلاق في المجتمع الخليجي 35% وازدياد الانحرافات والمشكلات الاجتماعية الناتجة عنه، لا يرضى المشرع الخليجي أي تقييد لحق الرجل المطلق في الطلاق .
وفي التعدد أو أي مساس بهما، في المقابل تحرم التشريعات ـ فيما عدا مصر ـ حق المرأة في الخلع، إذ تجعله رهناً بإرادة الرجل وموافقته، فلو بذلت المرأة الكارهة لزوجها كل أموالها لتفتدي نفسها من سجن الرجل ما استطاعت إلا أن يشاء الرجل.
3 ـ حق المرأة في الحضانة إذا تزوجت: الرجل إذا طلق زوجته وهو حاضن لأولاده فمن حقه أن يتزوج من يشاء، ولكن المرأة إذا طلقت وهي حاضنة لأطفالها فإنها تفقد حق الحضانة بمجرد زواجها.
وهكذا تعكس التشريعات العربية ـ كافة ـ نظرة تمييزية ضد المرأة، وصحيح أن الدساتير العربية تقرر المساواة ولكن التشريعات اللاحقة تكرس التفرقة لأنها أسيرة ثقافة مجتمعية ذكورية. وستصدر الجامعة العربية الخميس المقبل ولأول مرة موسوعة وضع المرأة في التشريعات العربية وهو عمل إيجابي يستحق الإشادة إذ تكون وثيقة مرجعية للباحثين والمشرعين.
كاتب قطري