من المقرر ان يستأنف الحوار اللبناني جلساته هذا اليوم. هكذا تم الاتفاق عند تعليقه الثلاثاء الماضي. الأطراف المشاركة أعربت عن عزمها على متابعة الجولة وأكدت على استعدادها للحضور وعلى المستوى القيادي. بل ان بعضها شدد على تفاؤله بإمكانية الخروج بتوافقات ولو بالحد الأدنى. وقد ترك ذلك حالة من الترقب المريح ولو بتحفظ.
ذك ان مجرد الجلوس حول الطاولة وطرح كل الأوراق فوقها، هو بذاته بداية صحيحة طال انتظارها. على الأقل من زاوية ان التحاور المباشر ومن غير وسيط خارجي، أفضل من التراشق من بعيد. الأول أمامه فرصة للوصول إلى تسوية. الثاني محكوم بمراكمة الاحتقان المؤدي إلى التأزيم فالانفجار.
لكن مع اقتراب موعد الاستئناف بدأت ترشح إشارات وتمليحات حول احتمال التأجيل! أكثر من تبرير ظهر في هذا السياق. منها ان الأجواء ليست ملائمة بعد وان الاتصالات مازالت جارية لتفكيك العقد المستحكمة بالحوار.
والتي فرضت تعليقه، الأسبوع الماضي. وأخرى، أن العودة إلى الطاولة في غياب أي توافق قد تهدد الحوار بالفشل، الذي لا يحتمله لبنان ولا اللبنانيون. وعليه يتردد ان مواصلة التعليق أقل ضرراً من وصول المؤتمر، مرة أخرى إلى الانسداد، كلام زاد من البلبلة.
لكن المطمئن، في المقابل، أن مصادر صاحب مشروع الحوار، رئيس مجلس النواب اللبناني، تقول بأن هذا الأخير تلقى وعوداً من كافة المشاركين بحضور جلسة اليوم. وأضافت ان هناك شبه إجماع من جانب معظم المتحاورين على ضرورة النجاح وإبعاد كأس الفشل عن البلاد؛ لأن المضاعفات ستكون مؤذية.
لا شك ان إعلان مثل هذه النوايا الإيجابية ضروري، كمدخل لإحاطة الحوار بالمناخ المواتي؛ وكخطوة أولى لبناء جسور الثقة بين المتحاورين. كما تكمن أهميته بأنه يأتي بمثابة اعتراف وتسليم، بل وإجماع، بأن خيار الحوار لا غنى عنه؛ بالرغم من حدة الخلافات وعمق الهوة بينهم. بيد أن النوايا وحدها غير كافية. فهي تحتاج إلى ترجمة على الأرض.
وفي الأمر عجلة. ذلك ان جلسة اليوم «فاصلة»، كما وصفتها مصادر لبنانية مطلعة بين النجاح والإخفاق. هي المحك والبوابة. ليس هناك وهم، لا في لبنان ولا في المنطقة، بأن لقاء اليوم أو الجولات التي تلحق به، قادر على فك طلاسم كل الأحجيات والخلافات.
لكن الفارق جوهري بين أن يكون نقطة انطلاق لحوار، يتولد زخمه من استمراريته؛ وبين أن يتعطل انطلاقه تحت ضغط التعقيدات المتفاعلة والمتبادلة.
العيون شاخصة اليوم إلى الطاولة المستديرة في مبنى البرلمان اللبناني. الأمل ان لا يبقى كرسي واحد حولها، شاغر. والمطلب اللبناني والعربي وإلى حد بعيد الدولي، ان ينخرط الجميع في الحوار بزهنية الإصرار على تحقيق إنجازات. ولو محدودة، في أول الأمر فهذه الجلسة.
الفريدة من صنفها في تاريخ الصراعات اللبنانية، لم تنعقد بسهولة، تطلب الأمر مدة سنة من الحديث والإعداد لها. فإذا اكتمل نصابها، مع التمني ان يكتمل، ليس المطلوب فقط من حواراتها ان لا تفشل بل أيضا وأساساً ان تكون مثمرة. لبنان ومريدوه واشقاؤه العرب، ما عادوا يقبلون بأقل من ذلك.