يبدو ان وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد اكتشف الآن فقط امراً مهماً بشأن حرب مكافحة التمرد وبدأ يتحدث عنه، وهو أنك يجب أن تكون قادراً ومنافساً ورشيقاً في حرب الأفكار كما أنت في ساحة المعركة.

عليك أن تكون قادراً على مجابهة الحرب الدعائية كعدوك في المعركة لكسب عقول وقلوب المواطنين المعنيين وبقية العالم أيضاً.

هذا صحيح، علينا فعلاً القيام بذلك، ففي زمن الحرب تصبح الكلمات والصور في حرب المعلومات بمكانة الرصاص والقنابل والوقود بالنسبة لقائد عسكري ذاهب إلى المعركة.والمعلومات في زمن الحرب ليست علماً متطوراً معقداً ولا تحتاج إلى قدرات تقنية عالية.

وكان ينبغي لماكينة معلومات الحرب الدعائية التي تملكها الحكومة الأميركية أن تدخل إلى كابول مباشرة وراء وحدات المظليين والمارينز أو حتى القوات الخاصة، وإلى بغداد خلف دبابات الجيش التي اخترقت دفاعات صدام بسرعة خاطفة.

كان ينبغي لنا القيام بذلك وكان باستطاعتنا القيام بذلك. لكننا لم نفعل. كان ينبغي لنا أن نضع محطة بث تلفزيوني فضائي على منصة متحركة في المطار بالأردن، بانتظار الإشارة للطيران إلى الداخل حالما يتم تأمين مطار بغداد.

وكان ينبغي أن تشتغل المحطة وتبدأ في بث الأخبار والبرامج المنوعة وبرامج الرأي خلال 24 ساعة من الهبوط. لكن ذلك لم يحدث، فالمسؤولون المدنيون في البنتاغون لم يكترثوا أبداً بالتفكير في كسب قلوب العراقيين.

وعقولهم لأن المنفيين العراقيين المقربين منهم سيستقبلون القوات الأميركية استقبال المحررين، وسيرشقونهم بالأزهار وقطع الشوكولاتة.

الآن، وبعد ثلاثة أعوام عنيفة بدأ رامسفيلد أخيراً يعزف لحناً مختلفاً: المتمردون العراقيون والإرهابيون الأجانب، كيفوا أنفسهم ببراعة لخوض حرب في عصر الإعلام الذي نعيش فيه اليوم، لكننا في حكومتنا وبلدنا لم نتكيف مع هذه الحرب بعد، كما قال رامسفيلد في كلمته أمام مجلس العلاقات الخارجية قبل أيام.

وتحدث رامسفيلد عن وسائل الاتصال الجديدة مثل أجهزة «بلاك بيري» والهواتف المتحركة والبريد الإلكتروني والمحطات التلفزيونية الإخبارية التي تبث على مدار الساعة، لكن في الواقع إن هذه الوسائل ليست جديدة وهي مجرد وسائل لإيصال الرسالة، وليست الرسالة نفسها.

ربما تكمن المشكلة في الرسالة لا في الوسيلة ولا يمكن إلقاء اللوم على التغطية الإعلامية الميالة إلى التشكيك ولا على الدعاية المضادة لحقيقة أن إدارة بوش ما زالت تحاول تبرير سبب غزوها للعراق في المقام الأول.

ولماذا فعلت ذلك بدون اتخاذ الاستعدادات الكافية لتبعات الحرب، ولم يكن أسامة بن لادن ولا أبو مصعب الزرقاوي من أعطى المسؤولين الأميركيين الأفكار الزائفة عن علاقة العراق بالقاعدة وعن مساعي العراق المزعومة لشراء اليورانيوم من النيجر واستمراره في جهود محمومة لتطوير أسلحة نووية.

هذا الكلام الفارغ لم يأت من أعدائنا، بل أتى من أصدقاء رامسفيلد، كما إن الانتهاكات التي حدثت في سجن أبو غريب لم تلحق الضرر بصورة أميركا في العالم الإسلامي وتنسف سلطتها الأخلاقية في كل مكان بسبب التغطية الإعلامية لهذه الانتهاكات، بل لأنها حدثت، ولأنه بعد 17 تحقيقاً رسمياً، لم يحاكم سوى تسعة مجندين.

وما زلنا لا نعرف شيئاً عن حقيقة من أجاز أو شجع أو تساهل مع هذه السلوكيات المشينة. من أمر الميجور جنرال جيفري ميلر، قائد مركز اعتقال في غوانتنامو، باصطحاب فريق «تايغرتيم» إلى أبوغريب في العراق في أواخر صيف 2003 لتدريب المحققين وحراس السجن على كيفية «تليين» المعتقلين المسلمين ثم دفعهم إلى الانهيار؟

لقد قلل رامسفيلد في خطابه من أهمية الفظائع التي ارتكبت في أبوغريب وعبر عن استغرابه من تركيز وسائل الإعلام عليها وقال: «دعونا نفكر لوهلة بحجم الأعمدة الصحافية والساعات التلفزيونية التي تكرس للحديث عن ادعاءات إساءة معاملة السجناء» مشيراً إلى أن الكثير من الصور التي ظهرت في وسائل الإعلام أخيراً كانت قد نشرت من قبل.

وألقى رامسفيلد اللوم فيما حدث في أبوغريب على أشخاص في مناوبة ليلية، مناوبة ليلية واحدة، فعلوا بعض الأشياء عوقبوا عليها بأحكام القضاء العسكري.

وبدلاً من التحدث للكشف عن الحقيقة بالسرعة نفسها التي يتحرك بها العدو لبث أجندته الدعائية، فلقد تمثلت استجابة البنتاغون في استئجار شركة علاقات عامة لتدفع المال للمراسلين الصحافيين العراقيين لإنتاج أخبار إيجابية ولتدفع المال أيضاً للصحف العراقية لتنشر قصصاً كتبها موظفون عسكريون أميركيون لدمج العلاقات العامة بالحرب النفسية.

وبدلاً من فتح النار على المراسلين ربما يجدر برامسفيلد إعادة النظر في الرسالة نفسها التي تبعثها السياسات الأميركية والأفعال الأميركية والأخطاء الأميركية ليس بحق العراقيين والمسلمين الآخرين فقط، بل بحق العالم اجمع، فالحقيقة قد تحررك من الكثير من المتاعب.