جاء قرار الجيش الأميركي بإغلاق معتقل أبو غريب الذي ارتكبت بين جنباته أبشع أصناف التعذيب بحق الأسرى العراقيين، متأخراً كثيراً، لاسيما بعد الكشف عن تلك الممارسات غير الإنسانية التي ارتكبها الجنود الأميركيون ضد العراقيين، والتي شوهت بالتأكيد صورة الولايات المتحدة.

وأزكمت رائحتها أنوف كل الغيورين على القيم الإنسانية والحرية وكرامة الإنسان وحقه في نيل المعاملة الحسنة حتى ولو كانت في سجون الاحتلال.

والواقع أن هذه الخطوة لا تكفي على الإطلاق، لتضميد الجراح التي تسببت فيها عمليات التعذيب والضرب والإهانة بحق الأسرى العراقيين، بل ينبغي أن تكون مقدمة لسلسلة إجراءات أخرى، يمكن عن طريقها نسيان ما حدث، أهمها معاقبة كل من ارتكب هذه الجرائم.

وهنا لا نقصد الجنود ذوي الرتب الصغيرة، فهم بالتأكيد مجرد أدوات، ولكن من أصدر إليهم الأوامر لتنفيذ هذه الجرائم التي أدانتها كل دول العالم ومؤسسات حقوق الإنسان.

والواقع أن معتقل أبو غريب السيئ السمعة، ليس سوى نموذج من نماذج إذلال الإنسان العربي في العصر الحديث، شأنه شأن المعتقلات الإسرائيلية الكثيرة التي أقيمت لنهش أجساد الفلسطينيين والعرب.

ومنها كما يذكر مركز المعلومات الفلسطيني سجن عسقلان المركزي الذي أنشئ في عهد الانتداب البريطاني كمقر لقيادة الجيش البريطاني في عسقلان ومحيطها وكسرايا لاستقبال الوفود البريطانية الرسمية.

وبعد هزيمة 1967 وتصاعد عمليات المقاومة الفلسطينية وازدياد عدد المعتقلين، أصدر الجيش الإسرائيلي عام 1970 مرسوماً عسكرياً بافتتاح سجن عسقلان المركزي. وشهد منذ ذلك الحين تنكيلا غير عادي بالأسرى الفلسطينيين.

كذلك هناك سجن غزة المركزي الذي أنشئ في بداية الثلاثينات من القرن الماضي، على يد الانتداب البريطاني، وبعد هزيمة عام 1967م، تم استخدامه كسجن ومركز تحقيق للفدائيين والمنتمين لفصائل الثورة الفلسطينية، ويتصف بفاشية المحققين. وكذلك بفاشية إدارة السجن. أيضا سجن بئر السبع المركزي، الذي أنشئ، في بداية عام 1970 وتم فيه استخدام كل أدوات التعذيب بحق الأسرى.

أما سجن الخيام الذي إقامته إسرائيل في جنوب لبنان إبان احتلالها للمنطقة، فقد أنشئ كثكنة عسكرية على يد قوات الانتداب الفرنسية عام 1933 في أقصى الجنوب اللبناني، وقد أخلى الفرنسيون الثكنة المذكورة عقب الاستقلال.

وتسلمها الجيش اللبناني سنة 1943، إلا أنه لم يعرها اهتماما نظرا لوقوعها بأقصى الجنوب، وظل الوضع على هذا النحو حتى مارس 1978، عندما نفذت القوات الإسرائيلية اجتياحها الأول لأجزاء واسعة من الجنوب، وتعرضت بلدة الخيام لما يشبه التدمير الشامل. أما الثكنة فقد تسلمتها الميليشيات المتعاملة مع إسرائيل.

وكانت في البداية مركزاً للتحقيق إلا أن القوات الإسرائيلية وعقب إقفالها معتقل أنصار عام 1985 حولت هذه الثكنة إلى سجن إسرائيلي كبير يتألف من 67 زنزانة جماعية وأكثر من 20 زنزانة فردية.

وقد اتسعت شهرة هذا السجن بسبب الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين فيه، وبشهادة منظمة الصليب الأحمر الدولية.

وبعض المنظمات الإنسانية الأخرى فإن المعتقلين والأسرى كانوا يمنعون من رؤية الضوء مطلقا، وكانت تمنع عنهم المياه وتقدم إليهم الأطعمة الفاسدة لدرجة أن بعضهم أصابته الأمراض المزمنة وبعضهم مات من شدة التعذيب.

هذه النماذج من المعتقلات، يعتبر هدفها الأول كسر إرادة الأمة، وإلحاق الأذى بأجساد أبنائها، الأمر الذي يتطلب من كل الهيئات العربية الرسمية وغير الرسمية العمل على فضح الممارسات غير الإنسانية التي تجري فيها على المستوى الدولي، من اجل إغلاقها وإعادة الحرية المسلوبة لمن فيها.

ليس هذا فقط، بل العمل على مساعدة أهالي هؤلاء المعتقلين، وإشعارهم بأن قضية أبنائهم لا تخصهم وحدهم وإنما تخص الجميع في هذه الأمة، لاسيما وإنهم لم يعتقلوا لأي سبب مخل، وإنما لأرقى وأنبل ما يمكن أن يسجن إنسان في سبيله.

وهو الدفاع عن حرية وطنه في وجه المحتل الغاصب الذي يستبيح كل شيء، ويتعامل بعنصرية وهمجية وإجرام مع من يطالب بإنهاء تدنيسه للأرض.

إننا يجب أن نتخذ من قرار إغلاق سجن أبو غريب، عنصراً أساسياً في المطالبة بإغلاق كل السجون في العراق وفلسطين، وخاصة الأخيرة التي تقول المعلومات المتوفرة عنها، ان عدد الأسرى الفلسطينيين يفوق 8 آلاف معتقل.

وهو بالتأكيد رقم كبير ومخيف، ولن يكون عدد الأسرى العراقيين بأقل من هذا الرقم، وبالتالي فلا يمكن السكوت على هذه الجريمة بحق شعبين عربيين.