هي إذن ليست مجرد قضية طارئة تنحصر في برنامج نووي. إنها قضية مصير ومآل منطقة الشرق الأوسط بأسرها.هذا أحدث ما ورد على لسان وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بشأن الأزمة الأميركية المتصاعدة مع إيران.
حتى الآن انقضت ثلاث سنوات منذ أن دشنت الولايات المتحدة حملتها الدبلوماسية الضارية ضد البرنامج النووي الإيراني، ورغم إنه لم يكن خافياً أن الحملة تنطلق من تصور واشنطن لمستقبل الشرق الأوسط كمنطقة تخضع لهيمنة النفوذ التوسعي الإسرائيلي بالكامل إلا أن هذه هي المرة الأولى التي تكشف فيها الولايات المتحدة الهدف الحقيقي من وراء الحملة.
تقول رايس إن إيران المسلحة نووياً سيكون تهديدها أشد مئات المرات للمصالح الأميركية في الوقت الراهن. فما هي هذه المصالح الأميركية التي يخشى عليها من القوة الإيرانية؟
إيران «تدعم النشطاء الفلسطينيين»، وإذا كانت وزيرة الخارجية الأميركية تقول إن هذا هو الخوف الأكبر فهو يعني ببساطة إذن أن المصلحة الأميركية العليا في المنطقة تتمثل في أمن إسرائيل وضرورة حمايته من «النشطاء الفلسطينيين» الذين تدعمهم طهران.
وفقاً للتصور الأميركي اليهودي تبقى إسرائيل القوة الإقليمية العظمى، وعلى رأس أدوات هذا البقاء تفرد الدولة اليهودية باحتكار تملك الرادع النووي لتتحكم إلى الأبد في ميزان القوة.
والآن ترى الولايات المتحدة في البرنامج النووي الإيراني بداية عد تنازلي لنسف الاحتكار النووي الإسرائيلي.
وبالتالي صعود إيران الإسلامية إلى مستوى قوة عظمى إقليمية منافسة ذات رادع نووي وثروة نفطية ضخمة وثروة بشرية تناهز 70 مليون نسمة.
هذا هو منبع الوجل الأعظم الذي عبرت عنه رايس بقولها إن إيران تمثل التحدي الأكبر لسياسة الولايات المتحدة الخارجية لأنها تهدف إلى تطوير منطقة الشرق الأوسط بحيث تكون «مختلفة»180 درجة عن الشرق الأوسط «الذي نود أن نراه يتطور».
إيران النووية الإسلامية إذن تسفه الحلم الأميركي اليهودي، والآن وقد كشفت واشنطن أوراقها الحقيقية فإن القضية تنتقل من الدائرة النووية الضيقة إلى دائرة الصراع الإسلامي ـ الإسرائيلي تجاه مصير ومآل منطقة الشرق الأوسط.
وهنا يتوقف التاريخ ليتساءل: ما هو موقف العرب والمسلمين؟ وهو تساؤل موجه إلى الشعوب بقدر ما هو موجه إلى الحكومات.
لقد عجزت شخصياً عن استيعاب الحكمة من وراء سكوت الدول العربية والإسلامية عن الحملة الأميركية ضد البرنامج النووي الإيراني وكأنها ليست معنية بمصير المنطقة.
إن أضعف الإيمان في هذه الحالة هو أن تطالب مجموعة الدول العربية والإسلامية سواء على صعيد مجلس محافظي وكالة الطاقة الذرية أو مجلس الأمن الدولي بإخلاء العالم ـ أو على الأقل منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية (وأسلحة الدمار الشامل الأخرى) بما في ذلك الترسانة النووية الإسرائيلية.
أما الحديث في هذا السياق ليس مجرد التضامن مع إيران أو الانحياز إليها سياسياً. إنه حديث عن مصيرنا كعرب ومسلمين: نكون أو لا نكون.