بعد سلسلة من المطاردات تشابهت مع المسلسلات المكسيكية من حيث وجوه بعض أبطالها وتميزت عنها بالسرعة والإثارة، وقع اللص المكسيكي «أليخاندرو» وعصابته المكونة من أربعة أفراد في قبضة شرطة دبي، ليتوقف بذلك مسلسل السرقات التي تعرضت لها عدة منازل في أماكن متفرقة من إمارة دبي.
وذلك بعد ورود بلاغات عن جرائم سرقة وقعت في فيلات غادرها أصحابها لفترة بسيطة. وكانت الحصيلة أجهزة إلكترونية وساعة يد مسروقة كان يرتديها زعيم العصابة «أليخاندرو» أثناء الكمين الذي تم ضبط أفراد العصابة خلاله.
أما المصوغات والمجوهرات التي كانت من حصاد السرقات السابقة فقد قامت العصابة بشحنها إلى إحدى الدول الآسيوية حيث تقيم زوجة الزعيم، وتمتلك محل مجوهرات تأتيه البضاعة من فيلات ومنازل الإمارات.
حدث هذا الأسبوع الماضي، وفي الأسبوع نفسه كشفت وزارة الداخلية عن نجاح رجال الأمن في كل من القيادة العامة لشرطة أبوظبي والقيادة العامة لشرطة دبي والإدارة العامة لشرطة الشارقة في إلقاء القبض على شخصين عربيين اختطفا فتاة آسيوية للضغط على والدها رجل الأعمال بعد أن حاولا ابتزازه للحصول على مبالغ مالية منه.
ولما اصطدما برفضه عَمَدَا إلى وضع خطة لاحتجاز ابنته البالغة من العمر ثلاثة عشر عاما، فقاما بمراقبتها ومعرفة تحركاتها ورصد نظام حياتها بكل دقة.
حيث تبين لهما أن سائقا خاصا يوصلها إلى المنزل من المدرسة يوميا ما عدا يوما واحدا في الأسبوع تستقل فيه الباص، فانتظرا وصولها ثم قاما بوضع كمامة على فمها وأغلقاه بشريط لاصق، وخيّراها ما إذا كانت تريد أن تسير معهما «بالطريقة السهلة أم الطريقة الصعبة» ثم وضعاها في سيارة وانطلقا بها إلى خارج إمارة أبوظبي.
بعدها اتصل أحد الخاطفين بوالد الفتاة من هاتف عمومي يسأله إذا كان يريد حل المسألة «بالطريقة السهلة أم الطريقة الصعبة» أيضا طالبا منه فدية مالية كبيرة.
في تفاصيل الخبر أن رجل الأعمال اختار الطريقة الصعبة رغم حجم المخاطرة الكامنة فيها، بعد أن تغلب على عامل الخوف في نفسه وشعور العاطفة الأبوية الجارف.
مما يتأجج داخل الإنسان عادة في مثل هذه المواقف، فتقدم ببلاغ إلى الشرطة التي تمكنت بالتعاون الفعال بين الإدارات الثلاث من رصد تحركات الخاطفين وتحديد المكان الذي احتُجزت فيه الفتاة، ليتم تحريرها وإلقاء القبض على الخاطفين في عملية دقيقة محكمة التنفيذ.
في التفاصيل الأكثر أهمية ـ من وجهة نظرنا ـ كشفت التحقيقات أن الخاطفَيْن كانا عاطلين، وأن شقيق أحدهما مبعد من الدولة. وقد تم استدعاء كفيليهما لمحاكمتهما بتهمة مخالفة قانون الإقامة.
قبل إلقاء القبض على عصابة «أليخاندرو» وإحباط عملية اختطاف الفتاة الآسيوية بفترة قصيرة، رُوِّع مجتمع الإمارات بجريمة قتل عروس الشارقة ذات التسعة عشر ربيعاً، تلك التي وأد الفرحة في قلبها.
وقلوب أهلها وأهل الإمارات جميعاً ذلك المزارع الآسيوي الذي لم يكتف بإسكات صوت الحياة في ضحيته، بل عمد إلى فصل رأسها عن جسدها والتمثيل بجثتها قبل أن تبهت نقوش حناء عرسها، ليضيف إلى مسلسل الجرائم فصلاً جديداً ومروعاً.
قبل عشرين عاما أو يزيد قليلا، في منتصف الثمانينات، شهدت إمارة رأس الخيمة واحدة من أكثر الجرائم بشاعة في تاريخ مجتمع الإمارات الآمن المسالم، عندما أقدم عامل مخبز آسيوي أيضا على خطف الطفلة «ليلى» ليقوم باغتصابها وقتلها، غير مبالٍ بنداء البراءة الذي كان يستصرخ إنسانيته الغائبة.
ولكن أنى لأي نداء أن يوقظ شعور من فقد الإنسانية وماتت فيه مراكز الحس والشعور، وأعماه نداء الغريزة المتوحشة المنفلتة من عيارها عن رؤية الدموع في عيون طفلة بريئة لا حول لها ولا قوة.
يومها أنزلت العدالة بقاتل ليلى الجزاء العادل الذي كان يستحقه فأُعدِم في مكان عام كي يشهد الناس نهاية من لا يقيم وزنا للقيم الإنسانية، ويستبيح أمن المجتمع الذي هيأ له العيش الكريم، وفتح أمامه أبواب الرزق،.
ووفر له أكثر مما يحلم به مما لم يتوفر له في بلده. وقد تم تصوير مشهد الإعدام وبُثَّ في قنوات التلفزيون ليكون عبرة لمن تسول له نفسه الإقدام على ارتكاب جُرم كهذا، فأين من ذاك الحكم ما قضت به إحدى محاكمنا قبل أيام من الحبس سنة والإبعاد لآسيوي انتهك عرض طفلة في السابعة من عمرها عشرين مرة؟!
ويومها أيضا ارتفعت أصوات كثيرة تدعو إلى إعادة النظر في العمالة الوافدة التي تقيم بيننا، لاسيما أولئك الذين ندخلهم بيوتنا، ونأتمنهم على بناتنا وأبنائنا، ونطلعهم على أسرارنا إلى الدرجة التي يصبحون فيها أكثر إطلاعا منا على دقائق حياة كل فرد من أفراد الأسرة، يعرفون نقاط ضعفنا فيتسللون إلينا من خلالها.
ويومها انطلقت نداءات تدعو إلى عدم الاكتفاء بإجراء الفحص الطبي على العمالة التي نستوردها من مجتمعات لا تمت إلى قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا بصلة، لأن ثمة أمراضا أشد خطورة على مجتمعنا، يعاني منها بعض الوافدين إلينا، لا تظهر في الفحوصات الطبية التي نجريها لهم.
لأنها كامنة في النفوس والعقول لا الأبدان، تشكل خللا في شخصياتهم، وتدفع من يعاني منها إلى ارتكاب جرائم من هذا النوع الذي لم يعتده مجتمع الإمارات في الماضي، وليس مضطرا إلى استيراده الآن ليتحمل تبعاته حاضرا ومستقبلا.
قبل هذه الحوادث وبعدها علت أصوات رجال الأمن محذرة من مخالفة قوانين الإقامة، والتستر على المخالفين، وضخ المزيد من العاطلين والمرضى نفسيا في مجتمع الإمارات الذي لا يستوعب كل هذه الأعداد الهائلة من الوافدين عليه، بحثا عن فرص عمل لم تعد متوفرة أصلا لأبنائه الذين ولدوا على ترابه.
وقد دعا الغيورون على مصلحة الوطن والمخلصون إلى التوقف عن إصدار المزيد من التأشيرات لكل من هب ودب على وجه الأرض من البشر، حتى لو كان ذلك بدافع إنساني بحت، وبحجة أن هؤلاء مساكين يستحقون المساعدة، لأن الطريق إلى جهنم - كما يقول المثل الفرنسي - مفروش بالنوايا الطيبة.
ونحن لا نريد لنوايانا الطيبة أن تقودنا إلى جهنم كي لا يحترق وطننا الذي ينظر إليه الكثيرون على أنه جنتهم الموعودة، بعد أن وصل عدد أفراد العمالة السائبة فيه، والهاربين من كفلائهم، والموجودين دون أوراق ثبوتية ـ كما تقول آخر التقديرات ـ ما يقارب الأربعمئة ألف على الأقل، يشكلون قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.
إن أجراس الخطر التي كانت تقرع قبل عقدين من الزمان وأكثر، قد تحولت اليوم إلى طبول مدوية يصمُّ دويُّها الآذان، داعية إيانا إلى الإمساك بزمام الأمور قبل أن يفلت الزمام من أيدينا، فما يمكن التحكم فيه اليوم قد يخرج عن نطاق السيطرة غدا.
صحيح أن يقظة رجال الأمن وكفاءتهم صمام أمان لتأمين استقرار المجتمع والمحافظة عليه، لكن هذه اليقظة وتلك الكفاءة تبقى كاليد الواحدة لا تصفق ما لم تعضدها.
وتقف معها جنباً إلى جنب يقظتنا نحن أبناء الوطن والمقيمين على أرضه من الوافدين الشرفاء الذين أسهموا ومازالوا يسهمون في بنائه، مدركين جيدا أن في أمن الوطن مصلحة للجميع، وأن النيران عندما تشتعل في أنحاء البيت لا تفرق بين ساكنيه، ولا تبحث عن جنسيات أو جوازات سفر المقيمين فيه، وحادثة خطف الفتاة الآسيوية خير دليل على ذلك.
الوطن هو بيتنا جميعا، وما لم نعمل معا على حماية هذا البيت من كل يد آثمة تمتد للعبث بأمنه الاجتماعي واستقراره وحياة ساكنيه، فإن وطننا معرض للمزيد من هجمات العصابات واللصوص والمجرمين من كل جنس وصنف ولون، وصفحات الحوادث خير شاهد على ما نقول.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com