سواء صدقت الانباء التي قالت ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد رفض مشروع بيان رئيس الوزراء المكلف السيد اسماعيل هنية أو اخطأت مثلما اعلن في وقت لاحق فان البيان المنتظر يجب ان يصدر عن رئيس وزراء يفترض انه يدخل الى اللعبة السياسية وفق القوانين المتفق عليها بغض النظر عن طبيعة الوضع القائم بين السلطة الوطنية واسرائيل.
قوانين اللعبة لا تترك مجالا لإعادة تعريف المصطلحات ولا العودة الى المرحلة التي سبقت القبول بمنظمة التحرير الفلسطينية طرفا في المفاوضات العربية الاسرائيلية، وفي المقابل يجب الا تذهب اسرائيل في البحث عن مبررات لعزل الطرف الفلسطيني والادعاء بأنه قد فقد الاهلية ليكون شريكا في عملية السلام لكي تواصل اجراءاتها من جانب واحد.
لايوجد لحركة حماس دستور خاص بها وكل ما هو مطلوب منها ان تعتبر نفسها جزءا لا يتجزأ من منظمة التحرير الفلسطينية وبالتالي ينطبق عليها ما سبق وان التزمت به حركة فتح التي قادت العمل السياسي الفلسطيني كأغلبية مطلقة منذ اتفاق اوسلو وحتى الانتخابات البرلمانية الاخيرة التي ادت الى تقدم حركة حماس عليها وفوزها بالاغلبية النيابية.
هناك على الساحة الفلسطينية من يهمه ان يرى حركة حماس في مأزق حقيقي وهي غير قادرة على ايجاد الصيغة المناسبة التي تدخلها الى ساحة السلطة الوطنية، لكن المهم هو الا تسمح حماس لنفسها الدخول الى ذلك المأزق خوفا من ان تتهم بالانحراف عن طريق الجهاد، وعلى الجميع ان يتذكروا بأن منظمة التحرير قد تجاوزت هذه العقبة منذ زمن بعيد.
وان التجربة الغنية التي اكتسبها الفلسطينيون تكفي لكي لا يقعوا اسرى الصيغ القديمة التي لم تعد تناسب المرحلة السياسية التي وصلت اليها قضية الشعب الفلسطيني.
ونحن لا نتحدث هنا عن عملية التراجع او التخلي عن المبادىء الاساسية او الحقوق المشروعة ولكننا نشير مرة اخرى الى شروط اللعبة السياسية والقدرة على رسم خطوط التحرك في الاتجاه الذي يحقق الغاية من النضال اي حرية واستقلال الشعب الفلسطيني واقامة الدولة المستقلة.
في جميع الأحوال لن يطبع الرئيس عباس رئيس الوزراء المكلف بطابعه، وليس مطلوباً من السيد هنية ان ينخرط في المنهج السياسي لحركة فتح التي ينتمي الرئيس اليها وفق نظرية حزب السلطة، ولكنه مطالب حتماً بايجاد القاسم المشترك الذي يضعه مع الرئيس عباس على المستوى ذاته من مسؤولية الحكم والقيام بالواجبات الموكولة إليهم في مستوى الرئاسة والمجلس التشريعي والحكومة.
فضلاً عن ادارة الصراع او المفاوضات، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة الطرف الآخر الذي لا يتوقف عن تنفيذ مخططاته وبرامجه المرسومة وخاصة مشروع حزب كاديما ووضع "حدود نهائية" لاسرائيل بكل ما يحمله هذا التوجه من اخطار ظاهرة وخفية.
ما من شك ان القوى السياسية الفلسطينية تواجه موقفاً دقيقاً يتطلب الانتباه لكل التفاصيل المتعلقة بالمفاوضات الجارية بينها، واسوأ ما يمكن اخذه كانطباع مغلوط هو ان تظهر بعض الاطراف على انها اكثر قرباً من الطرف الاسرائيلي لأن ذلك يعني بأنها اكثر بعداً عن الضمير الفلسطيني.
وليس مفيداً لأي من تلك الاطراف ان يقلل من قيمة التوافق على الساحة الفلسطينية بحجة ان اسرائيل لن تغير موقفها العدواني او ان الولايات المتحدة والغرب عموماً لن يتوقفوا عن انحيازهم لاسرائيل.
فالاختبار الصعب هو ذلك الذي يمر فيه الفلسطينيون وحدهم حيث المنطقة والعالم يرقب حركتهم في هذه المرحلة وقدرتهم على تشكيل حكومة جديدة قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
وليس من خيار آخر غير اجتياز ذلك الاختبار بنجاح.