أن تصدر الإدارة الأميركية تقريراً مفصلاً عن انتهاكات حقوق الإنسان في العالم وتستثني الولايات المتحدة فإن هذا يدخل في باب التدليس. لكن السؤال الأكبر هو: من أجاز للولايات المتحدة أن تنصب نفسها بنفسها وصياً على أوضاع حقوق الإنسان في بلدان العالم الأخرى خاصة أنها لا تملك أوراق الاعتماد اللازمة؟

بينما يشتمل التقرير الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية على تعداد اتهامات بخرق حقوق الإنسان لعام 2005 في دول العالم قاطبة تقريباً فإنه يخلو تماماً من ذكر أي شيء عن ممارسات السلطات الأمنية والعسكرية في العراق وأفغانستان ومعسكر خليج غوانتانامو.

في الفصل الخاص بالعراق يتحدث التقرير بإسهاب عن شتى صنوف التعذيب في السجون والمعتقلات لكنه يحصر المسؤولية في ممارسات قوات الجيش والشرطة العراقية وكأنه لا وجود إطلاقاً لسجن أبو غريب والسجون الأخرى التي تقوم على إدارتها القوات الاحتلالية الأميركية.

يقول التقرير إن الترهيب والضرب والتعليق من الذراعين أو الساقين واستخدام المثقاب الكهربائي والأسلاك المعدنية والصعق بالكهرباء، كل هذه الممارسات ارتكبتها الشرطة العراقية. وفي الوقت نفسه ينسب ممارسات مماثلة للجيش العراقي.

أما الانتهاكات الأميركية في سجن أبو غريب التي تضيف إلى هذه الممارسات إساءات جنسية إلى المعتقلين العراقيين رجالاً ونساء فإن التقرير الأميركي فرض عليها تعتيماً كاملاً وكأنها لم تقع على الإطلاق.

وأما الدول الأخرى التي يأتي التقرير على إدانة سجلها في حقوق الإنسان فهي تلك الدول التي تتخذ منها الولايات المتحدة موقفاً عدائياً مسبقاً لأسباب لا علاقة لها بقضية حقوق الإنسان.

سوريا وإيران مثلاً استحقتا الإدانة لأن كلاً منهما تنتهج سياسة تتعارض مع الالتزام الأميركي الصامد لحماية الدولة الإسرائيلية ومراعاة اعتبارات أمنها. وتشمل الإدانة كوريا الشمالية وكوبا لأنهما سفهتا نظام اقتصاد السوق الرأسمالي .

وأخذتا بنظام اقتصادي اشتراكي جعل من كل منهما قصة نجاح. وامتدت الإدانة إلى دولة زيمبابوي الإفريقية لأن رئيسها روبرت موغابي نزع ملكية الأراضي الزراعية من إقطاعي أقلية المستوطنين البيض وأعاد توزيعها على الفلاحين السود الذين اغتصبت منهم الأراضي أصلاً قبل استقلال البلاد.

وإجمالاً يعكس التقرير روح وصاية غير مشروعة على الجنس البشري عموماً دون أن تملك الولايات المتحدة أوراق اعتماد لمثل هذه الوصاية. فالإدارات الأميركية المتعاقبة تتعامل مع شعبها ومع العالم عبر نهج الكذب المنظم، ودون أن يتعرض رجالاتها إلى محاسبة.

وعلى أساس الكذب المنظم تشن حروب أميركية خارجية، وأبرز مثال هو اختراع كذبة «أسلحة الدمار الشامل» لتبرير شن الغزو على العراق.

لقد أصبحت قضية حقوق الإنسان عموماً مسيسة بإخضاعها لاعتبارات المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة. ولهذا فإنه بينما يحفل التقرير الأميركي بإدانات لدول معينة على أساس الانتقاء الذاتي فإن واضعي التقرير أغفلوا عمداً ما يجري من انتهاكات وفظائع بحق قادة وكوادر المنظمات الإسلامية في دول أخرى.

وهكذا فإن تنصيب الولايات المتحدة لنفسها وصياً ورقيباً وحسيباً على العالم يفتقر إلى أي حد أدنى من المصداقية.