هل يتحول لبنان إلى حالة عربية قابلة للتعميم؟

إنه السؤال الذي يخفيه التجاذب الإعلامي والسياسي في العالم العربي حول موقف فرقاء الساحة اللبنانية ومن التغيير السياسي الذي يبدو أنه لم يعد محل نقاش من حيث المبدأ بل من حيث حدوده وممكناته وأولوياته ومحرماته.

فلبنان المتميز طائفياً وثقافياً عن الكثير من الدول العربية ذات النظام الجمهوري متماه معها في سمات بنيوية أخرى تجعل التساؤل بشأن استنساخ «الحالة» اللبنانية أو بعض أعراضها مشروعا.

والتعامل مع ما يحدث في لبنان على قاعدة الاختلاف والاكتفاء بتضخيم الدور الخارجي حقيقة أو توهما يتجاهل ما بدأ يتبلور في عديد من المجتمعات العربية من رغبة في التحرك وميل إلى «المطالبة» بدلاً من الاكتفاء بالنقد والدعوة والمناشدة.

والسؤال مطروح ممزوجا بالأمل ومشوبا بالقلق، فهو ممزوج بالأمل بالنسبة لمن ينتظرون التغيير الديمقراطي ويحاصرهم الخطاب الإعلامي الاتهامي الذي يصنف كل داع للتغيير الديمقراطي بأنه من «المارينز العرب».

وهو مشوب بالقلق بالنسبة لنخب رسمية طالما أشاعت أن الديمقراطية «وصفة مسمومة» ومشروع صهيوني بالضرورة، فإذا بالتغيير الديمقراطي يبدو ممكناً من «الداخل» وفي قلب عرين أسد المقاومة دون أن يكون حتماً مؤامرة صهيوأميركية على الأمة!

عبء التاريخ وحوافزه

وهناك من يميل في التعاطي مع المشهد اللبناني للإحالة على التاريخ اللبناني بوصفه «السبب» فيما يحدث. فلبنان الذي عرف دائما بوصفه دولة طوائف لم يشهد أبدا غيابا للنفوذ السياسي غير الرسمي متمثلا في زعامات الطوائف والبيوتات الكبيرة ذات النفوذ التاريخي والمرجعيات الدينية ذات الخبرة العريقة في التجاذب السياسي.

غير أن هذا التاريخ «الحافز» هو من منظور آخرين يمكن أن يتحول إلى «عبء» عبر استدعاء تجارب الصراع التي بدت سياسية.

وهي في عمقها صراعات على هوية لبنان المشدودة إلى سوريا بخيوط عديدة أهمها الجغرافيا وشرقا نحو إيران برباط مذهبي وغربا صوب أوروبا بعلاقات ثقافية تاريخية مع الفاتيكان وفرنسا، فضلا عن البعد العربي الذي أخذ منها بقدر ما أعطاها.

ومن رقعتها الجغرافية الصغيرة نسبيا امتد التأثير اللبناني عبر جاليات كبيرة حققت نجاحات مشهودة اقتصادية وثقافية في أفريقيا والعالم الجديد وتوشك أن تتحول إلى رقم في معادلة الداخل اللبناني على نحو تشير إليه شواهد عديدة من بينها مقررات المجمع الماروني الأخير.

ودور معارضة المنفى في التداعيات الأخيرة والتنامي الملفت للتأثير الأميركي في الساحة السياسية اللبنانية التي خرجت منها أميركا قبل سنوات بسيارة مفخخة لتعود إليها بدبلوماسية خشنة ومطالب ذات سقف مرتفع.

استنساخ الحالة اللبنانية

هذه التعددية التي وسمت لبنان قد تجعل «الحالة اللبنانية» غير قابلة للتكرار والاستنساخ عربيا، لكن زاوية أخرى للنظر تجعل الأمر يستحق المراجعة، فالولايات المتحدة بعد تجربتها في العراق التي يرى كثيرون أنها لم تمنح العراقيين سوى الوهم تعيد إنتاج رسالتها دون حشد عسكري ولا غزو .

مؤكد «لمن يهمه الأمر» من النخب العربية التي تعتقد الولايات المتحدة أنها في حالة ترقب أنها مستعدة للمساعدة حتى لو كانت الساحة على حدود الكيان الصهيوني حيث المشاعر أكثر التهابا والظهور العلني للدبلوماسية الأميركية تحيطه الشكوك والمخاوف.

وما هو مسكوت عنه في المشهد اللبناني أن تأكيد دعاة الإصلاح حرصهم على حماية سلاح المقاومة يفتح بابا لإمكانية إدارة تحول ديمقراطي حتى في دول المواجهة/ الطوق دون انتظار انتهاء الصراع العربي الصهيوني وإمكانية صياغة حل وسط عربي يحافظ على الثوابت، وفي الوقت نفسه يحقق تقدما على طريق الحريات.

فك الارتباط «لبنانيا».

ورغم أن الحالة اللبنانية توفر لها اهتمام إعلامي غير مسبوق عربيا بفضل الفضائيات العربية فإن شرائح واسعة من النخب خارج لبنان استغرقها بأكثر مما ينبغي البحث عن «المؤامرة» خلف الحشود الكبيرة التي تكرر خروجها دون ملل.

أو يأس رافعة الأعلام اللبنانية في إشارة واضحة إلى وعي يصعب «اختلاقه» بين حشود ضخمة هزها حادث اغتيال فاجع لم يكن كافيا لأن يصنع الغضب لكنه بالطبع كان كافيا لتفجيره.

والغضب الكامن الذي فشل كثيرون في رؤيته في لبنان قبل اغتيال الحريري يوجد مثله في مجتمعات عربية أخرى يصلح لتفسير أزمتها ما قررته دراسات وأدبيات سياسية عديدة أهمها «تقرير التنمية الإنسانية العربي» من أن الصراع العربي الصهيوني تم استخدامه لعقود حجة لتبرير الاستبداد.

وعندما قررت الحكومة اللبنانية فتح الباب للاستعانة بدول من بينها الولايات المتحدة في مواجهة ما سماه وزير الداخلية اللبناني «الشبح الإرهابي» على خلفية موجة الاغتيالات والتفجيرات التي أعقبت اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فإن معنى ذلك أولا أن التلويح بالهيمنة والتدخل والإملاء فقد القدرة على تقييد حرية السياسيين في إدارة علاقات دولية أكثر توازنا وأقل تشنجا.

وبعيدا عن الأطراف التي تقف تحت مظلة الحد الأقصى سواء في الدعوة للتغيير أو في رفضه، فقد أصبح هناك تيار عام يصر على التغيير.

وإن في إطار منع الفوضى، وبالتالي لم تعد القضية درجة سخونة تصريحات هنا أو هناك بل الأرض الصلبة التي بدا واضحا أن شجرة التغيير غرست جذورها فيها بقوة.

ومن ثم فإن أهم «الأعراض اللبنانية» القابلة للانتشار بالعدوى هي أن يتم فصل الإصلاح السياسي عن الصراع العربي الصهيوني، وهو متغير تاريخي إيجابي وكان حتى وقت قريب يبدو مستحيلا.

كاتب مصري