من الطبيعي أن يكون الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والهند الذي توصل إليه الطرفان خلال زيارة الرئيس بوش لنيودلهي هو الحدث الأهم في الزيارة، وهو حدث جاذب بشكل كبير وواسع للاهتمام الدولي. الاتفاق شكّل تغييراً ثورياً في القواعد الحاكمة للانتشار النووي وانقلاباً على هذه الأخيرة.

وأوجد اجتهادات في هذا الشأن وربما سابقة كل ذلك حصل بشكل أحادي بالطبع، والاتفاق جاء في وقت وصلت إليه الأزمة النووية الإيرانية الغربية إلى ذروتها وإلى منعطف شديد الخطورة في «محطة» تقديم محمد البرادعي التقرير المنتظر للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مجلس الأمن.

هنالك انقلاب وهناك اجتهاد. الانقلاب حصل في الموافقة على توفير المساعدة النووية لدول غير موقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي، ومعروف أنها تملك قدرة نووية عسكرية.

وللتذكير هذان الشرطان متوافران أيضاً عند إسرائيل وباكستان، واشنطن أسقطت وحدها إحدى أهم قواعد النظام النووي الدولي الذي نشأ في إطار الحرب الباردة والذي يفترض الانضمام إلى المعاهدة كشرط ضروري ولو غير كاف، الحالة الإيرانية تذكر بذلك، للحصول على المساعدة النووية المدنية.

أسقطت الشرط القانوني الدولي المنظم وفرضت شرطاً استراتيجياً وقيمياً ذاتياً، رافضة الاتهام بالكيل بمكيالين، لا بل مركزة على اعتماد هذا المبدأ باعتبار أن نوايا وسياسة الطرف المرشح للحصول على المساعدة النووية .

هما العنصران المحددان للحصول على المساعدة، النوايا والسياسة كما تحددها واشنطن بالطبع، والاجتهاد كان عبرة «بدعة» الفصل بين البرنامج المدني النووي والبرنامج العسكري النووي.

وإخضاع الأول لنظام مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إنه نظام نصف المراقبة أو المراقبة المحدودة. ورغم أن واشنطن تقول إن الاتفاق سيكون حالة فريدة إلا أنه قد يؤسس لسابقة دولية أو أميركية.

طبعاً حتى يستطيع الرئيس بوش «بيع» الاتفاق في واشنطن السياسية وفي الكونغرس كان لا بد من ربطه بما هو توافق أميركي واسع حول ضرورة بلورة سياسات عالمية لتخفيض الاعتماد على النفط بشكل خاص.

وعلى الطلب على الطاقة بشكل عام، من عناصر التبرير «التجميلي» التي تسهل تمرير الاتفاق أيضاً إن الهند من الدول النموذج بالنسبة لواشنطن في العالم غير الغربي: أكبر ديمقراطية في العالم.

وذات اقتصاد معولم وتقدم تكنولوجي كبير كما يبدو في قطاع الخدمات، خدمات التكنولوجيا، وبلد مفتوح على العالم في ثقافته في ظل وجود طبقة متوسطة كبيرة.

ولكن يبقى السؤال قائماً؟ هل العنصر النووي هو الأساسي أم أنه عنصر أساسي ضمن عناصر أخرى منها للتذكير أن أميركا تبحث حسب نظرية كوندوليزا رايس، عندما كانت على رأس مجلس الأمن القومي، عن إقامة شراكات إقليمية استراتيجية تكون بمثابة نقاط ارتكاز ودعامة للاستراتيجية الأميركية.

وأن الهند كانت الدولة الأولى المرشحة لهذه الشراكة، وهي شراكة شاملة، سياسية ودبلوماسية واقتصادية وتكنولوجية وتجارية، كما هي الشراكة الجديدة الأميركية الهندية.

كما أن واشنطن التي تبدي اهتماماً خاصاً لا بل أساسياً في المسرح الآسيوي الذي يشهد أهم ديناميات استراتيجية سياسية واقتصادية مع صعود قوتين عالميتين عظميين من المنطقة هما الصين الشعبية والهند، واشنطن بحاجة لأن تقيم موقعاً أساسياً لها في المنطقة لاحتواء التمدد الصيني ولإحداث قوة توازن مع الصين عبر الهند.

ورغم علاقات التعاون المتنامية بين بكين ونيودلهي إلا أن منطق «لعبة القوى» يفرض ذلك. الشراكة النوعية الجديدة التي تكرست عبر الاتفاق النووي ستكون لها تداعيات عديدة منها إطلاق سباق تسليح نووي هندي باكستاني في المنطقة.

ومنها إحداث بعض التوتر والقلق في العلاقات الأميركية الباكستانية رغم أن باكستان تبقى حاجة استراتيجية أميركية وفي حين تملك باكستان أوراقاً مهمة منها الورقة الأفغانية ومنها ورقة الانكشاف أو التخويف من الإسلاميين في باكستان.

كما أن الاتفاق سيدفع لتعزيز التقارب الصيني الباكستاني التقليدي وقد يؤدي إلى تنشيط الدور الاستراتيجي السياسي للصين الشعبية في المسرح الآسيوي لبناء تحالفات جديدة استباقية.

أو تعزيز أخرى بشكل مبكر لاحتواء التمدد الأميركي، كلها تداعيات ستوجد ديناميكية جديدة وحراكاً قوياً في المسرح الآسيوي الذي يتكرس باعتباره المسرح الاستراتيجي المركزي في العالم خاصة بعد تبلور النظام النووي الدولي الجديد.

كاتب لبناني