كل المعلومات المتاحة في طهران تفيد بأن لا أحد في إيران بصدد المغامرة أو السعي الجدي للمواجهة مع المجتمع الدولي بما فيه الولايات المتحدة الأميركية.
بالمقابل فإن اتجاه السياسة الأميركية الحالية بعدما باتت عاجزة أن تذهب كثيراً باتجاه الصدام مع النظام الإيراني وصولاً إلى إسقاطه عن طريق المواجهة العسكرية.
ولما كانت إيران ليست العراق بالرغم من سباحتها المستمرة عكس التيار الأميركي في المنطقة فإن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى يقترح ثلاثة أهداف لاحتواء الملف النووي الإيراني:
1 ـ سياسة التأخير والإرجاء عبر الحرب الدبلوماسية وصولاً إلى العمليات السرية.
2 ـ سياسة الردع والاحتواء عبر استثارة المشاعر المعادية لإيران انطلاقاً من المحيط الإقليمي وصولاً إلى تجييش مشاعر المجتمع الدولي.
3 ـ سياسة التشجيع الدائم للإيرانيين للتخلي الطوعي عن برنامجهم النووي الطموح وصولاً إلى السيناريو الليبي!
لهذا ولحيثيات إقليمية سنأتي على ذكرها فإن ملف إيران النووي «رُحّل» إلى مجلس الأمن الدولي ولم يحال إليه تماماً بانتظار نضوج ظروف «المصالحة» على الطريقة «الكورية ـ الصينية» أو المجابهة المؤجلة، أي الإعلان الرسمي عن شن الحرب الباردة.
الحوار عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية لن يتعطل رغم كل ما حصل وما قيل عن وصول التسويات المقترحة إلى طريق مسدود!
نعم قد يكون الحوار انتقل بالفعل إلى عواصم أخرى دولية وإقليمية.
ثمة معلومات تتعزز مع الأيام بأن ثمة مناقشات وحوارات تتحرك ببطء وبعيداً عن النور بين طهران وواشنطن بالأصالة أو بالوكالة في أكثر من عاصمة دولية أو إقليمية، كل ما هنالك فإن التسريب ممنوع كما أن القطيعة الكاملة ممنوعة.
الجانبان بانتظار مسار التحولات الممكنة والمتاحة لصالح كل منهما في كل من العراق ولبنان وفلسطين حيث يمسك كل طرف بعدد من خيوط اللعبة.
ولما كان الطرفان الرئيسيان المعنيان «بالمصالحة» التي يتمناها البرادعي غير راغبين فضلاً عن كونهما غير قادرين على الحسم باتجاهها أو بعكسها، أي المجابهة المبكرة، فإن القدر المتيقن هو أن الطرفين ليسا في منزلة المتحاربين تماماً كما أنهما ليسا في منزلة المتصالحين.
لم يبق أمامهما غير الحوار إذن باعتباره الطريق الوحيد المتبقي أمامهما إلى حين انقشاع غبار «المعارك» والصراعات في أكثر من ساحة مشتركة النفوذ!
في هذه الأثناء تلعب موسكو دوراً مهماً للغاية وتحاول بين الفينة والأخرى اختطاف الحل من بين أيدي المعنيين، لكنها سرعان ما تتذكر أنها لم تعد عاصمة الاتحاد السوفييتي السابق، وأن أوراق القوة لديها، إن وجدت، باتت محصورة في مساومة القوة العظمى الوحيدة في العالم على مشاركتها في بعض فتات المائدة الدولية.
لا أحد في إيران يطلب المواجهة أو يسعى إليها صحيح، لكن لا أحد أيضاً يقبل بعد كل الذي جرى أن «يتبرأ» من «التفويض الوطني» من قبل الأمة إلى نخبها الحاكمة بضرورة الدفاع عما بات جزءاً لا يتجزأ من الكرامة الوطنية.
ثمة مخاطر حرب طائفية في الجوار العراقي لإيران ستطال نيرانها فيما لو اشتعلت أول ما تطال وأكثر ما تطال إيران.
وثمة ملفات مستعصية لا يمكن التوصل إلى حلول نهائية أو حتى مؤقتة بشأنها في لبنان دون إشراك الصديق أو الحليف الإيراني.
تماماً كما أن الملف الفلسطيني المتحرك بين الاشتداد والانفراج لا تبدو إيران بعيدة عنه، ولما كانت ملفات هذه الساحات الثلاث على طاولة إدارة الدولة العظمى المتخاصمة مع إيران بشكل أساسي فإن ثمة من يعتقد بأنه لم يبق أمام «المشهد النووي» الإيراني الأميركي سوى الذهاب باتجاه فتح باب الحوار بين واشنطن وطهران في أسرع وقت ممكن.
ثمة من يعتقد جاداً في طهران بأن على واشنطن أن تخرج من دائرة التفرد الإسرائيلي في عملية صناعة قراراتها الشرق أوسطية، ويضيف بأن استعداد حزب الله للحوار المنفتح حول مستقبل مقاومته الوطنية ودور سلاحه المستقبلي.
وكذلك الفرصة المتاحة أمام تحول حركة جهادية مثل حماس إلى مكون أساسي من مكونات الدولة الفلسطينية المستقبلية ما هما إلا إشارتان قويتان باتجاه إمكانية وضع اللبنة الأساسية لحوار متكافئ أوسع وأشمل من أجل تحقق السلام المفقود المترافق مع العدالة وحق الجميع بالعيش بكرامة.
إن أي خيار آخر غير خيار الحوار يختاره المجتمع الدولي الذي باتت واشنطن ترخي بظلالها عليه، لن يكون مآله سوى الندم والفشل الذريع وترويج المزيد من ظروف وحيثيات التطرف والدفع باتجاه تهميش أصوات العقل والحوار.
إنها فرصة ثمينة لمراجعة العقل والتبحر في جوهر ما تطالب به شعوب المنطقة ومنها إيران.
إن ما تقوله إيران في هذا الصدد هو أنها تملك مخزونات هائلة من اليورانيوم وقدرات علمية وقوى محلية ماهرة، وحاجة ملحة لطاقة بديلة في ظل تزايد خطر نضوب مصادر الطاقة الحالية، وبالتالي فإن من حقها المشروع اقتناء التكنولوجيا النووية السلمية وتحت إشراف المجتمع الدولي،.
فهل من المعقول أن يأتي الرد بأننا لا نثق إلا بمن تثق به الدولة النووية المدججة بأسلحة الدمار الشامل في المنطقة والتي هي في الواقع العنصر الأكثر خطراً على الأمن الإقليمي والدولي؟!
إن هذه المقاربة التي تقدمها الإدارة الأميركية للملف الإيراني كفيلة بإشعال حريق هائل في الشرق الأوسط لن يسلم منه أحد.
أمين منتدى الحوار العربي ـ الإيراني
