لا يكاد يمضي يوم من دون أن يصدر عن مسؤول أميركي إشارة تفيد بأن انزلاق العراق إلى هاوية الحرب الأهلية، احتمال وارد. وأحياناً ينطق بمثلها أكثر من مصدر رسمي، في يوم واحد. تكرار مثل هذا الكلام وسياقاته ومستوى مصادره، ليس صدفة ولا زلة لسان.

خاصة وأن مثل هذا العزف جديد وغير مألوف في خطاب الإدارة عن العراق. حديثها دار باستمرار عن عراق ديمقراطي جديد، في طور الصيرورة. فما عدا مما بدا حتى انقلب الخطاب بهذه الدرجة؟

هل إشارات واشنطن حول «حرب أهلية» محتملة تأتي من باب الضغط والتهويل على القيادات العراقية لكي تحسم خلافاتها وتسارع إلى تشكيل حكومة ائتلاف وطني؛ أم أنها تتوالى من باب التمهيد لاحتراب أهلي تنضج طبخته وتريد واشنطن أن تنفض يدها منه؟

ليس من دون مغزى أن تتردد عبارة الحرب الأهلية على لسان الرئيس بوش وأركان إدارته، من زاوية عدم استبعادها. كما ليس من غير مدلول أن يتبرع بعض هؤلاء الأركان، أحياناً، بالحديث عن هذا الخطر، من غير أن يكون قد سئل عن احتمالاته.

يزيد من مشروعية علامات الاستفهام أن التلويح متزامن ومتصاعد بصورة طردية مع ارتفاع درجة التعقيد والانسداد في الأزمة السياسية الناشبة، في الظاهر حول منصب رئاسة الحكومة وفي المضمون حول قضايا أكثر عمقاً وخطورة.

في آخر تصريحاته يقول الرئيس بوش إنه سيبذل «كل شيء حتى لا تقع حرب أهلية»! وزير دفاعه رامسفيلد يشدد على أن «القوات الأميركية لن تتدخل إذا نشبت حرب أهلية في العراق»؛ فالأمر عند ذاك متروك للقوات العراقية!

السفير الأميركي في بغداد خليل زاده حرص في كلامه بهذا الخصوص على تحميل الأطراف العراقية مسبقاً، المسؤولية عندما قال بأن «زعماء العراق يهتمون بمصالحهم فيما بلادهم تواجه خطر حرب أهلية ومخططات خارجية لتمزيقها»!

تتقاطع هذه التصريحات عند نقطة تفيد بأن مصير العراق بيد العراقيين. هل فعلاً بات القرار السياسي ـ الذي يشكل مفتاح الاستقرار والاقتتال ـ في العراق بيد القوى المحلية الموجودة على الأرض وأن الاحتلال الأميركي الموجود بوزن أكبر، لم يعد بيده حيلة؟

بعبارة أخرى، هل صارت واشنطن عاجزة عن حمل الأطراف العراقية على تشكيل حكومة تكون قادرة على الإقلاع بالبلد أو على الأقل تكون مانعة لاندلاع حرب أهلية؟

الوضع في العراق يقترب من نقطة اللاعودة، الأزمة المستفحلة حملت الرئيس العراقي على تأجيل انعقاد البرلمان الجديد إلى 19 الجاري بدلاً من اليوم. الزعيم الكردي، مسعود البارزاني يدعو القيادات إلى لقاء في كردستان.

السفير الأميركي يتحدث عن نقل الاجتماعات بينها إلى خارج العراق وكأن المشكلة في المكان. السعودية والكويت تبحثان، حسب التقارير، فكرة دعوة تركيا إلى اجتماع للدول المجاورة للعراق؛ بغرض التداول في تطوراته.

وإذا كان لكل هذا الحراك من مدلول فهو الإقرار بحراجة اللحظة وما تختزنه من أخطار تصيب شظاياها التركيبة العراقية وجوارها. وهي أخطار معروفة ولا يقوى أحد على احتمال تداعياتها.