لا يمكن أن يوصف سجن «أبو غريب» بانه بقعة سيئة السمعة، فهذا اللفظ يمكن أن يطلق على معسكر «غوانتانامو» أو أي مركز من مراكز الاعتقال في العالم. «أبو غريب» شيء آخر، منذ أن بني وحتى الآن.

والاختلاف أننا زمان كنا نسمع روايات وحكايات من القلة الذين يكتب لهم الخروج منه وهم لا يزالون يتنفسون، وعندما سقط نظام صدام.

وخرجت صور آلات وأدوات التعذيب، عادت بنا الذكريات إلى بطون كتب التاريخ التي تصف فنون التعذيب على مر العصور وتحت حكم الطغاة المشهورين، وظننا أن «أبو غريب» أضيف إلى تلك الصفحات السوداء وأصبح في فعل كان، ماضياً كريهاً ومحتقراً.

ولكنه مازال حاضراً، وحمل صفة لم يحملها من قبل، فهو أكثر البقع إهانة للإنسانية منذ عام 2003 وحتى قرار إغلاقه الصادر قبل يومين، فيه ذبحت كل المبادئ التي تقوم عليها الحضارة، وخرقت كل المواثيق والعهود التي اتفقت عليها الأمم.

وأهدرت كرامة البشر كما لم تهدر من قبل، فان كنا نتحدث عن قبح حرب فيتنام بتذكر صورة ذلك الجندي وهو يطلق رصاصة تنثر أجزاء من رأس معارض في أحد الشوارع.

وان كان كرهنا لهتلر ونهجه نتذكره بالمحارق والإبادة بحسب العرق والدين، فإننا لن نتحدث عن »أبو غريب«، ونتذكره إلا ونحن آسفين على رخص ما تعلمناه وصدقناه من نظريات وقواعد أريق حبرها هناك.

ما حدث في «أبو غريب» وفي العراق كله خطأ ارتكبته الولايات المتحدة، حيث جاءت مبشرة بالتحرير والرخاء، فأزالت صدام ونظامه ورسخت الاحتلال، وتصرفت بعنجهية القوي الذي لا يقهر، والسيد الذي يجب ان يطاع، والمعلم الذي لا يلام، وهذا منطق يسود السياسة الأميركية في تعاملها مع كل دول العالم.

ولهذا قال أحد أعضاء الكونغرس وغالبية كتابهم ان «الريبة» هي التي تحكم العلاقة بين أميركا والعالم، فحتى الدول الصغيرة والتي كانت حليفتنا قبل عدة أشهر بدأت تخاف منا وتبتعد.

الولايات المتحدة اعتمدت أسلوب الأخذ دون عطاء مقابل، تريد قيادة العالم، ولكنها لا تنشر العدل في العالم، تريد أن تحدث تغييراً في البقع المتخلفة وفي الوقت نفسه تساند اغلب الديكتاتوريات، تطلق وعودا بمساندة قوى التقدم والتطور الديمقراطي، وعندما يسجن من صدقهم تتخلى عنه في صفقة تبادلية مع نظام حكمه.

وتريد من الدول أن تصادقها بفتح أسواقها وموانيها ومطاراتها وقواعدها العسكرية لكل ما هو أميركي، ولا تتردد في محاربة تلك الدول ومصالحها في أماكن أخرى، متناسية أن الصداقة علاقة تبادلية، وإنها تبنى على قاعدتين أساسيتين هما الثقة والوفاء، وهذا ما لم يره أحد حتى الآن من الولايات المتحدة، و«أبو غريب» خير شاهد.

myousef@albayan.ae