الإيدز والملاريا والجوع في إفريقيا لا تفرق بين الرجل والمرأة.. وحتى الطفل، ومن هنا بوسعك ان تقول ان هناك «مساواة» سالبة في البلدان الإفريقية جنوب الصحراء ليس فقط على مستوى الجنسين من البالغين وإنما أيضاً على مستوى الأطفال بمختلف أعمارهم. بكلمة واحدة ـ وهذا ينطبق على شعوب العالم الثالث قاطبة ـ فان أعضاء الأسرة متساوون في الفقر والبؤس.
لذا أعجب لماذا تعنى المنظمات الغربية العالمية بانتقاء الأم أو الابنة وحدهما من بين أعضاء الأسرة في المجتمع الإفريقي من أجل «يوم المرأة العالمي» وكأن ثلاثي الفقر والمرض والجهل لا يصيب سوى النساء.
شعار احتفال هذا العام هو «دور النساء في اتخاذ القرارات» على أساس ان آلية صنع القرار الكبير، خاصة على مستوى الحكم ـ يسيطر عليها جنس الرجال.. تستوي في ذلك البلدان المتقدمة مع البلدان المتخلفة.
لكن في دول العالم الثالث لا يمارس الحكام سوى سيطرة ظاهرية سطحية على آلية القرار الاقتصادي. فالسيطرة الاقتصادية يمارسها صندوق النقد الدولي ـ الأداة المالية للاستعمار الحديث.
بتواطؤ مع الشريحة الحاكمة تتمكن إدارة الصندوق من تسيير الاقتصاد الوطني بما يخدم مصالح أصحاب رؤوس الأموال الغربية ويؤدي في المقابل إلى حالة إفلاس عام للدولة، ومن بين الإجراءات التي تفرض إدارة الصندوق تطبيقها من أجل هذه الغاية خصخصة مؤسسات وشركات القطاع العام لكي تباع إلى شركات أجنبية بسعر التراب وخفض سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي بنسب كبيرة ومتصاعدة فتنخفض تلقائياً أسعار منتجات التصدير وتتضاعف أسعار المنتجات المستوردة.. وبالتالي تتضاعف معدلات النمو التضخمي، وبذلك يتصاعد الغلاء في السوق الاستهلاكية مع الهبوط المتواتر للقوة الشرائية لدى الأفراد.
ومع حالة الإفلاس تعجز الدولة عن تمويل خدمات الصحة والتعليم وتوفير الطاقة الكهربائية.
هذه النتائج السالبة لا تقتصر أثارها وتداعياتها على فئة النساء وحدهن في العالم الثالث. فالتدهور المتواتر في المستويات المعيشية يصيب الأسرة بأكملها ـ نساءها ورجالها وأطفالها.
ان الدعوات والنداءات التي تصدر عن المنظمات الغربية العالمية والتي ترتفع وتيراتها في «يوم المرأة العالمي» في المطالبة بمنح النساء حق التصويت والترشيح في العمليات الانتخابية لا تعني شيئاً طالما ان المنظومة الرأسمالية العالمية تواصل بدوافع الربحية الجشعة تكريس الإفلاس والفقر بين شعوب العالم الثالث.
العالم الثالث يواجه حرباً اقتصادية ذات طابع طبقي قهري يؤدي إلى تدمير الأسرة.
في مجتمعات العالم الثالث، وفي هذا يتساوى الضحايا رجالاً ونساءً وأطفالاً.
ولن يتغير هذا الوضع ـ بل انه في الحقيقة سيزداد سوءاً ـ إلى أن تنتج مجتمعات العالم الثالث قيادات وطنية من طراز جديد تدرك حقيقة الوضع وخطورته كاستعمار جديد فتبتدر ثورات تحرر جديدة.