ما إن انتهت مشاهد اجتماعات القمة الإفريقية في الخرطوم قبل أيام، حتى بدأت العاصمة السودانية المثلثة تستعد لاستضافة القمة العربية القادمة بعد أيام. . هكذا قدر السودان بهويته العربية الإفريقية، والذي هو في الواقع امتداد ثقافي عربي في القارة الإفريقية، وامتداد ثقافي إفريقي في الأمة العربية، بحيث أصبح في النهاية جسرا ذا اتجاهين للعبور، من الجنوب الإفريقي إلى الشمال العربي وبالعكس.

وبقدر ما يتحقق للهوية السودانية العربية الإفريقية بحكم الواقع والموقع من قوة الامتزاج، بقدر ما يتيحه هذا الامتزاج من فرص للتدخل الأجنبي للعب على حبال التمايز الثقافي والإثني والديني من جانب الذين يحاولون إضعاف السودان، والسعي إلى تقسيمه، والعمل على تحويل الامتزاج إلى ازدواج، والتوحد المتكامل القائم على التعدد إلى تعدد متقاتل يقوم على التناقض، ومن التناقض إلى التصادم.

لقد شهدنا هذه المحاولات الخبيثة بهدف تمزيق هذا التوحد في أكثر من مثال، مرة بين شماله الإسلامي وجنوبه المسيحي إلى حد إشعال الحرب الأهلية التي جرى إطفاؤها بجهود إفريقية وعربية لعبت فيها «القاهرة» و«طرابلس» دورا مؤثرا في دفع الأطراف لتوقيع اتفاقية للسلام في «نيفاشا» الكينية، ومرة أخرى للفصل بين عروبة السودان وافريقيته على غرار مايثور من فتنة في «دارفور» تجرى محاولات إخمادها بجهود عربية وأفريقية تلعب فيها «القاهرة» و «طرابلس» أيضا دورا مؤثرا في إقناع الأطراف لمواصلة التفاوض للتوصل إلى السلام تأسيسا على اتفاقية «أبوجا» النيجيرية.

واللافت للانتباه أنه قبل أن يجف حبر اتفاقية السلام بين الشمال والجنوب في «نيفاشا»، وما أن بدأ الشعب السوداني يلتقط أنفاسه من حرب استنزفت الكثير من طاقاته ،وفقد فيها عشرات الآلاف من أبنائه على مدى خمسين عاما من الاقتتال البغيض، وبدأ يتطلع إلى البناء والتنمية والوحدة، حتى أشعلت الأيدي الشريرة مرة أخرى الاقتتال الأهلي في ميدان آخر وهذه المرة كان في الغرب بدلا من الجنوب.

والأكثر مدعاة للدهشة أنه مع اندلاع هذه الفتنة المشبوهة بهجمات مسلحة على مراكز الأمن الحكومية وعلى المطار في الإقليم من جانب الفصائل المتمردة، والتي

استدعت ردا عسكريا من جانب عناصر الشرطة وقوات الدفاع الشعبي، وخلال أيام قليلة وجدنا هذه الأزمة السودانية فجأة أزمة دولية، وتحركت العواصم الغربية بقيادة «واشنطن» محمومة ومتسرعة باتجاه مجلس الأمن الدولي!

كما انطلقت الآلة الإعلامية الغربية في حملة محمومة ضد الحكومة السودانية مليئة بالاتهامات والمبالغات والشائعات في مشكلة غرب السودان لم نر لها مثيلا في مشكلة جنوب السودان، ومبعث الدهشة هنا هو أن مشكلة جنوب السودان برغم أن عمرها كان عقودا وليس مجرد أعوام، وحصدت الحرب الأهلية بسببها أرواح مئات الآلاف من العسكريين وشردت الملايين من المدنيين، وبرغم أن الاختلاف الإثني والثقافي والديني كان واضحا بين المتحاربين، وبرغم أن الدعم الدولي والإسرائيلي والإقليمي كان واضحا، مما كان يبدو ممكنا اعتبارها مشكلة دولية، ومع كل ذلك لم تذهب إلى مجلس الأمن!!

أفلا يبدو باعثا على الريبة والاشتباه بعد ذلك أن نجد مشكلة «دارفور» هي التي ذهبت إلى مجلس الأمن الدولي وليست مشكلة «جوبا» ؟!!

بالرغم من أنها في حقيقتها مشكلة إنسانية واقتصادية محلية، ونزاعاتها قبلية بين قبائل رعوية وأخرى زراعية، بين قبائل تتوحد في دينها فكلها قبائل مسلمة، ويندمج فيها ما هو عربي بما هو إفريقي بالتزاوج والمصاهرة حتى يصعب على أحد أن يفرق بين فرد مسلم من أصل عربي أو فرد مسلم من أصل إفريقي من «أهل دارفور».

وما دخل الدول الغربية المسيحية في مشكلة في داخل دولة عربية وفي نزاع بين أطراف إسلامية؟، أفلا يبدو ذلك أمرا يبعث على الشكوك أنهم أشعلوها لتبرير تدويل الأزمة، وإخراج القضية من داخل السودان إلى خارج السودان، ودخول الخواجات من خارج السودان إلى داخل السودان سواء بالباريهات الحمراء أو الزرقاء؟

إن ذلك كله يقع ضمن سلسلة المحاولات الدولية الكبرى لإخراج القضايا العربية من داخل الوطن العربي إلى خارجه، ودفع هذه القضايا بعيدا عن دائرة التعريب إلى دائرة التدويل في إطار الهجمة الشاملة ضد كل ما هو إسلامي وعربي وتحرري، بهدف إعادة الوصاية والهيمنة الدولية على مقدرات شعوب هذه المنطقة لمنعها من استعادة وحدتها وبناء قوتها وامتلاك إرادتها واستثمار ثرواتها بإرادتها المستقلة لبناء تنميتها من أجل سيادة أوطانها وكرامة مواطنيها.

وهكذا يجد السودان نفسه في قلب دائرة الاستهداف المريبة بما يمثله من انتماء عربي، وعمق إفريقي، وتأثير إسلامي مثله مثل العديد من بلدان الأمة العربية والإسلامية الداخلة ضمن المشروع الأميركي المريب المسمى بـ « الشرق الأوسط الكبير».

وهكذا تكتشف الدول العربية دون عناء أهداف المؤامرة، كما تكتشف أن حماية السودان من خطر التدويل ومخاطر التقسيم هو واجب قومي. من هنا كان قرار وزراء الخارجية العرب تمهيدا لقمة الخرطوم العربية حاسما في رفض تدخل قوات دولية أو أطلسية لتحل محل قوات حفظ السلام الأفريقية في دارفور إلا بطلب أو موافقة الحكومة السودانية.

والجدير بالذكر أن دول الاتحاد الإفريقي التي احتضنت السودان آخر مؤتمر لقادته مؤخرا اكتشف أيضا أهداف اللعبة الغربية، فكانت قراراته باتجاه الحل الإفريقي، وبادر إلى تشكيل لجنة خماسية تضم دولا عربية وأفريقية ذوى الصلة بالأزمة المشتعلة لرعاية مفاوضات سلام بين الحكومة السودانية والفصائل المتمردة، وبادرت إلى تشكيل قوة إفريقية للعمل على وقف الاقتتال السوداني.

وإزاء الموقف العربي والإفريقي الواضح برفض التدويل لم تجد الأمم المتحدة سوى الإعراب عن دعمها للاتحاد الإفريقي في مهمته من أجل سلام السودان والذي نجح بالفعل عبر عدة اجتماعات بين «أبوجا» و«طرابلس» في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وعرض مشروع للسلام على الأطراف السودانية المتفاوضة.

فما الذي حدث حتى تثور المواجهة من جديد بين القيادة السودانية والمنظمة الدولية؟

عادت العواصم الغربية لتبعث بإشارات خاطئة للمتمردين تحريضا لهم على رفع سقف مطالبهم وبالتالي تعليق المفاوضات وعودة الاشتباكات من جديد. . ثم التقاعس عن تقديم الدعم الإنساني الكافي للاجئين، وعدم تقديم الدعم اللوجستي لقوات الاتحاد الإفريقي، ثم اتهامها بالعجز واستمرار المشكلة لتبرير تدخل قوات من حلف الأطلسي، ومن «واشنطن» فوض مجلس الشيوخ الحكومة الأميركية لدفع مجلس الأمن الدولي للتعجيل بإصدار قرار لاستبدال القوات الأفريقية بقوات دولية، وتحرك المسؤولون في مجلس الأمن الدولي في هذا الاتجاه بضغط أميركي دون انتظار لقرار مجلس الأمن الإفريقي الذي كان من المقرر اجتماعه أمس «الجمعة».

لكن الرئيس السوداني عمر البشير كان حاسما في رفضه لتدخل خواجات الأطلسي أو الباريهات الزرقاء إدراكا أن وراء هذا التدخل العسكري أجندة لا تخفى على أحد، وهدد البشير أن دارفور ستكون مقبرة لمن يحاول انتهاك سيادة السودان.

ومثلما تحركت مصر وليبيا في مبادرة مشتركة لحل مشكلة جنوب السودان سعى الأميركان إلى عرقلتها في محاولة « لأمركة الحل، ولما فشلوا قبلوا بـ «أفرقة» الحل في نيفاشا، وبادر الرئيسان المصري حسنى مبارك والليبي معمر القذافي إلى التحرك المشترك لحماية السودان من خلال دعم عربي وإفريقي، وعلى أساس حل عادل لمشكلة دارفور، وجاءت آخر الأخبار لتقول لنا ان مجلس الأمن أحبط المندوب الأميركي وجمد طلب تبديل القوات حتى يتلقى قرار الاتحاد الإفريقي، وأن سكرتير الحلف الأطلسي أعلن أنه لن يرسل قوات، وأن الاتحاد الإفريقي لن يقرر أمرا يخالف سيادة السودان، وأغلب الظن أن القرار سيكون طلب زيادة الدعم الدولي لقوات الاتحاد الإفريقي والدفع باتجاه الحل العربي الإفريقي العادل، حتى لا يفور التنور في دارفور وحتى تواصل «الخرطوم» عاصمة «اللاءات الثلاثة» في القمة العربية عام67 استعدادها للقمة العربية المقبلة التي نأمل أن يصدر عنها «لا» واحدة.. للمؤامرة الغربية على الأمة العربية والإسلامية.

كاتب مصري

mamdoh77t@h0tmail.com