كان وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر يستخدم تعبيراً نادراً عندما كان يواجه بإلحاح الفلسطينيين والعرب على إعلان موقف حقيقي من المفاوضات مع إسرائيل. كان يصف الموقف الأميركي الغامض بأنه «غموض بناء».
لم يثمر الغموض البناء في درء تهمة الكيل بمكيالين بل انه سلك مساراً متردياً إلى ان تحول مع إدارة بوش الابن إلى «الفوضى الخلاقة».
من أطلق هذه المفردة؟ ليس مهما على ما يبدو، لأن الفوضى الخلاقة ليست سوى قراءة لثمار السياسات الأميركية منذ ما بعد 11 سبتمبر 2001. لقد تحررت أفغانستان لكنها تعيش في فوضى. لكنها في نهاية المطاف إذا ما أضيف لها تقدم بطيء لهذا البلد ستبدو فوضى خلاقة.
لقد اسقط صدام حسين فيما العراق يعيش فوضى لا مثيل لها. لكنها الفوضى التي تسير متواكبة مع إعادة البناء في هذا البلد والناس باتوا يتوجهون لصناديق الاقتراع ويتجادل الزعماء والأحزاب أسابيع وشهوراً لاختيار رئيس حكومة. وفيما تستمر عمليات القتل من كل نوع يوميا في شوارع المدن العراقية وتتجه البلاد إلى حرب طائفية، توالي الشركات الأميركية والغربية تنفيذ المشاريع الكبرى. انه سباق بين الحياة والموت، ولن يكون بالإمكان وصف الوضع في العراق أكثر من انه فوضى خلاقة.
لكن واشنطن في مأزق هذه الأيام مع خطتها لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. فالديمقراطية التي أرادت أن تنشرها، في العراق مثلاً، دفعتها إلى الإعلان صراحة عن ممانعتها في تولي زعماء طائفيين الحكم في بغداد بعد تمارين حية مارستها إدارة الاحتلال في وضع نظام محاصصة طائفي لإدارة العراق.
وفور هزيمة مرشحها لرئاسة الوزراء عادل عبدالمهدي، لخص الزعيم الشاب مقتدى الصدر مأساة واشنطن بوضوح عندما قال «جلبت الولايات المتحدة الديمقراطية إلى الشرق الأوسط، لكن الله قلب الطاولة وجعل من العملية الديمقراطية سلاحاً ضدها».
لم تتأخر طاولات أخرى: في مصر التي تحث حكومتها إلى حد ممارسة الضغوط، جاءت الانتخابات التشريعية أواخر العام الماضي ب88 مقعداً في البرلمان المصري لجماعة الإخوان المسلمين. الانتصار الذي أثار صيحات الفزع في مصر وخارجها من تقدم الإسلاميين في الديمقراطية التي تنوي واشنطن نشرها في الشرق الأوسط.
وفي فلسطين، قلب الله الطاولة بعنف ومأزق واشنطن في أفضل صوره: تشكيل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) للحكومة الفلسطينية اثر اكتساحها الانتخابات التشريعية. هنا ستواجه الإدارة الأميركية الخيار الذي لم تجربه بعد: التعامل مع الإسلاميين. أو بالأصح التعامل مع حكومة يقودها الإسلاميون.
لكن (حماس) ليست مثل أي حزب إسلامي آخر، فهي ليست كجبهة الإنقاذ في الجزائر الغنية بالنفط، النفط الذي يمكن أن يدفع لغض الطرف عن إلغاء الانتخابات واعتقال من فازوا بالاقتراع الحر للناس. وليست مثل سلفيي السعودية، وليست مثل أصوليي العراق المكتشفين حديثا على يد الاحتلال الأميركي. الأهم أنهم ليسوا مثل بن لادن ولا تنظيم القاعدة وليسوا مثل الزرقاوي أيضاً. إنهم فصيل إسلامي يقاتل الإسرائيليين وعلى هذا لم تتأخر ردود الفعل من واشنطن عندما كررت وزيرة الخارجية الأميركية دعوتها لحماس بالتخلي عن الإرهاب. انها ليست دعوة وإجراءات الخنق الاقتصادي التي بادرت إليها إسرائيل لم تستثر أي ردة فعل من طرف واشنطن لأن المطلوب الآن هو عدم تمكين (حماس) من النجاح سياسياً.
لكن على قادة حماس ان يفهموا الأمر جيداً، فمحاولة إفشال تجربتهم في الحكم وفي السياسة لا تتم لأنهم حماس فحسب، لأنهم إسلاميو الشعب الفلسطيني، بل عليهم أن يستعيدوا تجربة السلطة الفلسطينية جيداً. المقصود ألا ينجح الفلسطينيون أياً كان الذين يقودهم: الراحل ياسر عرفات ومن بعده محمود عباس (أبومازن) وهو يسعى لتدعيم سلطة ناشئة تكون نواة للدولة الفلسطينية، أو حماس وهي تختبر بناء الدولة عن طريق تداول السلطة عبر صناديق الاقتراع.
لكن مأزق واشنطن حقيقي، فهي الآن تتعامل مع ثمار الديمقراطية التي ضغطت لنشرها في الشرق الأوسط لكنها تمانع في القبول بالتعامل مع ثمارها. ومن الواضح انها لم تستمع بعد إلى نصائح جون اسبزيتو الذي يقول «إن الحكومات الغربية برفضها تشجيع التحول الديمقراطي، سوف تقود المنطقة إلى حالة سيئة من عدم الاستقرار والاضطراب وتزيد المشكلة تعقيدا وبالتالي الوصول إلى ما ذكره هنتنغتون عن الصراع الحتمي للحضارات». (الإسلام السياسي والسياسات الخارجية الأميركية ـ فصل من كتاب مستقبل الإسلام السياسي، إصدار المركز الثقافي العربي).
إن سبزيتو الذي عمل مستشارا لوزير الخارجية الأميركي لفترة، مثل غيره من الباحثين الأميركيين وخصوصا غراهام فوللر الذين لا يرون ضيرا في تعاون الولايات المتحدة مع إسلاميين تأتي بهم صناديق الاقتراع في الدول العربية. لكن المصالح الإمبراطورية تسير في مسار آخر على ما يبدو.
هل سيظهر الآن زرقاوي آخر في غزة أو الضفة الغربية؟
حيث تنبه الرئيس الفلسطيني أبومازن لعلامات ولادته فأطلق تصريحاً عن وجود للقاعدة في فلسطين». ولم يلبث الدكتور أيمن الظواهري الذي يقود ملايين المسلمين في معركة لم يفوضه احد بالقيام بها ان دخل في جدل مع قادة حماس داعيا إياهم للتخلي عن العملية السياسية والديمقراطية وبدع الغرب وخوض النضال على طريقة القاعدة.
انها التباشير الأولى لما سيجري لاحقا كرد فعل على فوز حماس وتشكيلها للحكومة الفلسطينية بل والاهم لقبول الفلسطينيين بالمضي قدما في ممارسة الديمقراطية على هذا النحو.
ومثلما تخلط أسطورة الزرقاوي الأوراق في العراق على نحو يفقد العراقيين الاتجاه والبوصلة والرشد السياسي، تبدو الحاجة ماسة لزرقاوي آخر في فلسطين يدفع الناس إلى الاعتقاد حقاً بأن الاحتلال أفضل بكثير حرب أهلية وفوضى غامرة وموت يومي. تماماً مثلما هو الحال في العراق.
كاتب بحريني