هل من المعقول أن تعاد من جديد صياغة أسئلة طرحت منذ القرن السابع عشر الميلادي، واستمر طرحها طوال الثلاثمئة عام الماضية، حول حقوق الإنسان في المجتمع البشري التي ما زالت مثار جدل بين البشرية، بالرغم من كل التغيرات في العالم، منذ الثورة الفرنسية، وقبلها وما طرحته الديانات السماوية منذ الأزل، وهل يعقل ان يظل الإنسان، يبحث عن حقوقه وعن المساواة، على هذه البسيطة، طيلة تلك القرون عاجزاً عن الحصول عليها، وكأن العدالة والمساواة، موجودة في الكواكب الأخرى، غير الأرض التي عرفها الإنسان، وعاش عليها على مدى ملايين السنين، إلا إنه لا يزال يبحث عن الحياة الكريمة، حيث تسود العدالة والحياة الكريمة للإنسان، ويعيش هذا الإنسان على أمل ان يحظى بها، وعندما يطول الانتظار يرى أن الحل قد يكون في الحياة الآخرة.

كم هو حزين ذلك الواقع الذي يعيش فيه الإنسان على هذه الأرض، ويعاني منه، على الرغم، من أن كل حركات التحرر، والمساواة، والحرية، تدعو إلى خلق مجتمع ينعم فيه البشر بالحد الأدنى من الإنسانية، إلا أن الواقع الأليم يؤكد على استمرار الصراع بين العدالة، والتعصب، وهنا التعصب ضد حقوق الإنسان، وباستخدام حجج غير مقنعة، وربما تعيد البشرية إلى عصور غابرة، حاولت كل الثورات الدينية والإنسانية أن تتخلص منها، إلا أن الحلقة الأضعف في المجتمع ربما تكون الأقوى.

يأتي هذا الكلام، والعالم يحتفل باليوم العالمي للمرأة، الذي يصادف الثامن من مارس، من كل سنة، ومع أن هذا الاحتفال أصبح تقليدياً تطلق فيه الشعارات وتجدد فيه الوعود والعهود، ويقسم الرجل بأغلظ الأيمان، بأن حق المرأة مصان، وأنها جديرة به، فإن المرأة العربية، ما زالت تعاني من عدم المساواة، بالرغم من كل الشعارات المرفوعة، سواء في الشرق أو الغرب، وحقوق المرأة تعطى بالقطارة التي لا تعمل في بعض الأحيان، وهي في أحسن الحالات، تابعة للرجل، وهذه قضية تعود جذورها إلى مئات السنين من تطور المجتمعات البشرية، حيث إن معظم الأنظمة السياسية، بالرغم من الشعارات، لا تزال تحافظ على النمط التقليدي من العلاقات، إلا في الحالات النادرة من التاريخ!!

لعل هذا الموضوع من المحرمات الثلاث في التاريخ الإنساني للبشرية، حتى انه في الأمثال الشعبية، أو العامية، فإن وراء كل رجل ناجح امرأة عظيمة، ولم يقل إن أمام كل رجل ناجح امرأة، أو حتى إلى جانب كل رجل امرأة، فهي في الخلف وليست في المقدمة، وهي ذلك التابع حتى في الانتصار أو التقدم.

وعلى الرغم من أن الدساتير الحديثة، (ومنها دستور الدولة)، لا تفرق بين المواطنين في الحقوق والواجبات، إلا أن الحياة اليومية، تؤكد غير ذلك، فمثلاً حينما يتزوج الرجل من امرأة ما، بإمكانها أن تصبح مواطنة خلال سنوات محددة قانونياً، لأنها تابعة له، وهو يستطيع أن يكون لها كفيلاً وضامناً، إلا أن المواطنة المتزوجة من أجنبي، لا تعطي زوجها هذا الحق، والأدهى من ذلك، إن أبناءها يعاملون بشكل مختلف، فهم أجانب بحكم القانون، بالرغم من أن حليب الأم من إنسانة مواطنة، وقع اختيارها أن تتزوج من إنسان، هو في نهاية المطاف اختيارها كإنسانة، لها الحق في اختيار شريك حياتها، إلا أن العرف والتقاليد لها بالمرصاد، وكأننا نعيش في عصر غير العصر، فأين هي إذن مواد الدستور التي تساوي بين المواطنين أياً كان جنسهم، وقيم الحضارة، والتقدم، والحرية وشعاراتها، أم أن المطلوب ازدياد حالات عدم الزواج، وبالتالي زيادة عدد الحالات المهيئة للانحراف، وعدم ممارسة الحياة الطبيعية للبشر.

كم هي محزنة تلك الحالات لمواطنات حاولن التمتع ببعض حقوقهن في اختيار الزوج، شريك العمر. فعد هذا السلوك وكأنه خروج عن المألوف وتحد للقيم السائدة، فبات عليها أن تتحمل عقوبة المجتمع وظلمه، وأن تتحمل الإهمال وعدم الاهتمام بها وبأبنائها، فكم من طفل مات نتيجة لذلك الزواج الإنساني، وكم من طفل حرم من حق التعليم، أو الرعاية الصحية، أليس ذلك تناقضاً مع مواد الدستور، ومع أبسط حقوق الإنسان، فأين جمعية حقوق الإنسان من ذلك، بل أين أولئك الذين يدعون أنهم ممن يدافعون عن حقوق الإنسان؟

إن الظروف الجديدة، والعالم الجديد، لم يعد يستطيع أن يضع نظارة سوداء أمام صرخات الأطفال والأمهات، من أبناء الوطن، إن الوطن الذي يؤمن بحقوق الإنسان سواء كان مواطناً أو مقيماً على أرضه. جدير أن ينصف فيه الإنسان على هذه الأرض، أرض الإمارات حلم الإنسان، وخاصة الإنسان العربي.

لم أعد بحاجة إلى ذلك الصديق المزعج، والذي يخرج من بين كتب التاريخ ليذكرني بما ينبغي أن يكون، فنحن نعيش في مرحلة الشفافية، مرحلة ذلك الفارس القادم من أعماق العدالة والمساواة، والذي يؤمن أن البشر سواسية، سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً. نحن نعيش في مرحلة المواطن الحر والذي يقدم كل العطاء للمستقبل، وليس كثيراً أن تحصل هذه المواطنة على حقوقها وحقوق أبنائها، في هذه المرحلة المشرقة من تاريخ الإمارات.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

almutawa_mohammed@hotmail.com